حين تسحقني الضرورة وأرممها بالزعتر
قتيبة المشعان
لم أختر أن أكون بطلاً، ولا أملك ترف التنظير لما فعلت. كل ما أعرفه هو أن ليلة “المحاح” لم تكن مجرد سقاية، بل كانت لحظة انفجار للضرورة. حين رأيتُ “الغوالة” تنهش كتف الساقية، لم أفكر في “التاريخ” أو “الطبقة”؛ فجأة، شعرتُ أن وجودي كله، ومستقبلي مع تلك التي أسهر لأجلها، يتسربان عبر ذاك الثقب اللعين.ارتميتُ بجسدي في الطين. في تلك اللحظة، لم أكن إنساناً، كنتُ مادةً سدّت فجوةً في جدار الزمن. صقيع تشرين الذي نخر عظامي كان يخبرني أن الطبيعة لا ترحم الضعفاء، وأن “طخ السن بالسن” هو النشيد الوحيد الذي تفهمه الأرض. كنتُ أرتجف كآلةٍ أوشكت على العطب، لكن عنفواني—الذي قد يسميه البعض حماقة—كان المحرك الذي منعني من الاستسلام.عدتُ إلى البيت محطماً، أجرّ خلفي جسداً صار ملكاً للتراب والماء البارد. وهناك، واجهتُ المفارقة الكبرى. أمي، بتلك “الآلية” التي قد تبدو في عرف الثورات “رجعية” أو “تقليدية”، كانت تنتظرني. هي لا تفهم صراع الطبقات، ولا تدرك كيف أن جسدي كان يدافع عن وسيلة الإنتاج الوحيدة للقرية. هي لا ترى فيّ إلا ابناً “أحمق” عرّض حياته للخطر من أجل “لمسة يد” أو “حكاية” ستُروى في المضافات.ومع ذلك، استسلمتُ لها.تركتُ يديها الخشنتين تمسحان بجحيم “زيت الزيتون الدافئ” صقيع تشرين عن جلدي. جرعتُ مرارة أعشابها “المقدسة” التي توارثتها عن جدات لم يقرأن كتاباً واحداً، لكنهن يعرفن كيف يرممن المحاربين. شعرتُ بالمهانة من ضعفي أمام حاجتي لهذه الوسائل القديمة، لكنني أدركتُ أنها الضريبة الوحيدة التي تسمح لي بالمضي قدماً.تلك الأعشاب، وتلك القسوة الدافئة في يدي أمي، كانت “الصيانة” الضرورية لعنفواني. لولا تلك الوصفات الرجعية، لظللتُ قابعاً في فراش المرض، ولما حظيتُ بذاك “الربيع” الذي أنتظره.أنا الآن أنتظر. أنتظر أن ترتجف السنابل في الصيف لأعرف أن “رعشتي” في الطين قد أثمرت. وأنتظر مواسم الأعراس، لا لأسمع المديح، بل لأقبض بيدي التي سدّت الثغرة على يدها هي في الدبكة. هناك، سأدرك أن “الضرورة التاريخية” قد تحققت، ليس بالكتب، بل بصدري الذي انغرس في الطين، وبيد أمي التي أعادت صياغتي من جديد تحت ضوء الفانوس الشاحب.”قد نكون وقوداً لقطار التاريخ الذي لا يرحم، لكننا نحتاج دائماً إلى لمسة حنان ‘قديمة’ لكي لا نحترق تماماً قبل أن نصل إلى محطة القبلة.”***************************************شرح المفردات:المحاح : هو مصطلح زراعي شعبي يُطلق على “الرية الأولى” التي تلي عملية بذر الحبوب (الحنطة والشعير) في التربة الجافة. تقنياً، تسمى هذه العملية بـ “رية الاستنبات”، وهي المرحلة الحرجة التي تُخرج البذرة من طور السكون إلى طور النمو.الغوالة: هي ظاهرة “الانهيار المفاجئ للكتف الترابي” لقنوات الري التقليدية. تحدث نتيجة وجود ثغرات أو أنفاق تحت سطحية (غالباً ما تسببها القوارض مثل الجرذان)، حيث يمارس الماء ضغطاً هيدروليكياً يؤدي إلى توسع النفق داخلياً حتى ينهار الجدار الخارجي للقناة تماماً.تُشكل هذه المصطلحات جزءاً من “الإبستمولوجيا الزراعية” (المعرفة الزراعية المحلية) التي تتجاوز مجرد العمل الفني، لتصبح منظومة أخلاقية وتنظيمية تضبط العلاقة بين الإنسان، والأرض، والجماعة في مواجهة تحديات الطبيعة الخام
.*** قتيبة المشعان***
Alsharq News الشرق نيوز