الجمعة , مايو 29 2026
الرئيسية / كلام سوريين / الطوف: عندما فاض الفرات

الطوف: عندما فاض الفرات

عيسى الشيخ حسن

خاطرة

ربيع 1973 (كما أحسب) استفقنا ليلًا على ماء يبلل الفرش، واستنهاض والديّ لنا نحن الصغار للخروج من البيت، والذهاب إلى بيت جدّي المجاور، وهو أعلى قليلًا، لم تطله السيول الآتية من الشمال..كانت الحرملة آخر قرى “حوائج كبير” في وادي الزور، أوّل من استقبل “الطوف”، كانت تضع قدمًا في الوادي، وتتّكئ على التلاع في الشمال حيث تمتدّ البريّة إلى الحدود التركيّة، ولم تكن القرية البعيدة عن الفرات نحو 5 كيلومترات في مكان خفضٍ تمامًا، ولكنّها ممرّ للماء الذي ملأ الأودية المجاورة للتهر، وانسكب في سرير النهر.تجمّعت العائلت المنكوبة في بيت جدّي، بضع عائلات في الجوار، وتفقّدت الأمّهات أبناءهنّ، واستنجد أبي بجدّي “مصاري ظلّت في البيت”. عاد أبي وجدّي إلى البيت، واستنقذا المال “بين 1000 و3000 ليرة” بين 300 و800 دولار، وبقوة شرائية أكبر من دولار(نا) الحالي بكثير..كان هذا أوّل وآخر “طوف” شاهده الطفل، وفي الصباح تقريبًا، انسلّ “الطوف” في النهر، ولم يبق منه غير برك مختلفة امتلأت بالماء، القرى التي أحدثتها بالأساس عمليات حفر طويلة لصناعة اللبن، وبعض البيوت المهدّمة، وفي المساء التالي تجمّعت حكايات “الطوف” في مجتمع الزور، الذي صار اسمهم “المغمورون”، في قرى كثيرة، رأيت منها: “العفّاصة، الدبّاكية، الشارمها، مريبط(مركز الوادي)، الحويش غربًا، والشوعة واليوسف “شرقًا” والحصيوة والشيخ عيسى وابو زريجيّة جنوبًا. وقرى أخرى ظلّت تتردّد في الأحاديث. ولكنّ “حوائج كبير” و”حوائج صغير” لحقتنا إلى الغمر، حين نسأل عن “مكان وتاريخ الولادة”..بعد أيّام جاءت طائرة وحطّت غربي القريّة، وهرعنا جميعًا، كي نرى لأول مرة مسؤولين يقابلون الأهالي للتخفيف عنهم، ولأول مرّة تطير فوقنا طائرة هيلوكوبتر، أصابت ابن الثامنة برعب شديد، جعله يظنّ أنه سيطير معها. في المدرسة وزّعت علينا أقلام رصاص ودفاتر..أوّل مرّة أرى فيها الفرات كنت في السابعة تقريبًا، مع أخي الأكبر في رحلة الوِرد اليوميّة، ولم يكن لدينا أخوات في عمر “الورّدات” يردن معهن، فكان أخي يقوم بهذا الدور أحيانًا، وهناك عرفت الطريق إلى الفرات من الحرملة إلى الفشيج إلى بيت “هلّام” إلى بيوت صغير تتجه في طريق مائل متعرّج متّجه شرقًا حتى نهبط الوادي شرق قرية كبيرة هي “أبو زريجيّة” فتمشي الدابّة بضعة أمتار في الماء، لنحصل على ماء نقيّ. كان الفرات مهيبًا قاتمًا في عين ابن السابعة، ولعلّه الذي بقي في الذاكرة لأستعير صورته في “دفاتر عتيجة” وكيف بدا في عين إسماعيل الحاج عثمان. .نحن قوم نحبّ الفرات ظالمًا ومظلومًا، وغدًا سينسلّ الطوف في الوادي، وينشف “شليل النهر”، ونعاتب “الـ غبّت لبنها”.

شاهد أيضاً

خواطر كولونيل منشق

الفصل الثالث المعتز الخضر عندما ربحتُ مئتَي مليون ريال و ضربت شريف شحادة بكُندرة السِّفتي..أثناء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *