في ربيع عام 1953، وفي احتفال أُقيم على مدرج جامعة دمشق، ألقى الرئيس أديب الشيشكلي كلمة قال فيها:
«إنها لغبطة مقرونة بالفخر والاعتزاز أن أقف بينكم في هذا اليوم المشهود لأعلن لكم حدثًا وطنيًا لا يقل أهمية، بنظرنا، عن جلاء الجيوش الأجنبية عن بلادنا الغالية. إن هذا الحدث، الذي تخفق له قلوبنا وتتعلق به آمالنا، هو إقرار المرسوم التشريعي المتضمن نظام النقد الأساسي وإنشاء مصرف سورية المركزي. وما من شك في أن هذا المرسوم، الذي يعلن تحررنا الاقتصادي بعد تحررنا السياسي، هو أعظم حدث تشريعي عرفته سورية في تاريخها الحديث.»
متل اليوم – 1 آب/أغسطس 1956
افتُتح مصرف سورية المركزي رسميًا بعد تصفية تركة النظام النقدي الموروث عن عهد الانتداب الفرنسي، لتنجز سورية استقلالها النقدي الكامل عن مصرف سورية ولبنان.
جاء هذا الإنجاز ثمرة جهود سياسية واقتصادية استمرت سنوات، كان لخالد بك العظم دور بارز فيها، بعد مفاوضات طويلة أنهت الارتباط النقدي بين سورية ولبنان.
ففي ظل الانتداب الفرنسي، حافظت سورية ولبنان على وحدة اقتصادية كاملة، سواء في النظام الجمركي أو النقدي أو التشريعات المالية. ومع تسلم الحكومتين الوطنيتين صلاحيات الاستقلال، بدأت المصالح والسياسات الاقتصادية للبلدين تتباعد تدريجيًا نتيجة اختلاف توجهاتهما الداخلية والعربية والدولية.
وحتى 2 شباط/فبراير 1948 بقيت سورية ولبنان تشكلان وحدة نقدية كاملة، ولم يكن الناس يميزون بين الليرة السورية والليرة اللبنانية. ثم أصدرت الحكومة السورية في 28 آذار/مارس 1950 قرارًا باستبدال الأوراق النقدية المتداولة بأوراق جديدة تحمل الشعار السوري، وحددت مهلة خمسة أيام لسحب الأوراق السورية المتداولة في لبنان، فهرع الناس إلى فرع البنك السوري في بيروت لاستبدالها.
في عام 1952 شكّلت الحكومة لجنة من الخبراء لتعديل قانون النقد ووضع مشروع لتأسيس مصرف مركزي يتولى إصدار العملة الوطنية وإدارة السياسة النقدية.
وفي عام 1953 أُنشئ مجلس النقد والتسليف برئاسة الاقتصادي الدكتور عزت الطرابلسي، الذي أصبح لاحقًا أول حاكم لمصرف سورية المركزي عند افتتاحه.
اكتتبت الحكومة السورية بكامل رأسمال المصرف البالغ عشرة ملايين ليرة سورية، وجعلت السلطة العليا فيه لمجلس النقد والتسليف، المؤلف من حاكم المصرف ونائبه وممثلين عن وزارات المالية والاقتصاد والزراعة.
منح القانون المصرف صلاحيات واسعة، أهمها إصدار النقد الوطني، والعمل مصرفًا للحكومة، والإشراف على النظام المصرفي، وتنفيذ السياسة النقدية، والمحافظة على استقرار الليرة السورية.
بدأ المصرف أعماله في مقره الكائن في شارع الفردوس بدمشق، قبل انتقاله إلى مبناه الجديد في ساحة السبع بحرات عام 1958.
حكام مصرف سورية المركزي منذ تأسيسه
عزت الطرابلسي (1956–1961)
حسني الصواف (1961–1962)
نور الله نور الله (1962–1963)
عدنان الفرا (1963–1970)
نصوح الدقاق (1971–1978)
رفعت العقاد (1978–1984)
هشام متولي (1984–1987)
محمد الشريف (1987–1995)
محمد بشار كبارة (1995–2005)
أديب ميالة (2005–2016)
دريد أحمد درغام (2016–2018)
حازم قرفول (2018–2021)
محمد عصام هزيمة (2021–2024)
ميساء صابرين (2024–2025)
عبد القادر الحصرية (2025–2026)
محمد صفوت رسلان (2026)

الصور لأول إصدار من العملة السورية يحمل اسم «مصرف سورية المركزي»، وقد صدر عام 1958، ويُعد من أجمل الإصدارات النقدية السورية من حيث التصميم والأناقة والتناسق.
صمم هذا الإصدار الحقوقي والدبلوماسي والفنان السوري خالد العسلي، وطُبع لدى الشركة الهولندية العريقة Royal Joh. Enschedé المتخصصة في طباعة الأوراق النقدية.
وحمل هذا الإصدار توقيع اثنين من أبرز رجال الاقتصاد والسياسة في سورية الحديثة: أول حاكم لمصرف سورية المركزي الدكتور عزت الطرابلسي، ووزير المالية خالد بك العظم. وتجدر الإشارة إلى أن وزير المالية عند افتتاح المصرف عام 1956 كان الدكتور أسعد محاسن، أما توقيع خالد العظم فقد ظهر على الأوراق النقدية التي صدرت لاحقًا مطلع عام 1958 عندما كان يتولى وزارة المالية.
وكانت الليرة السورية تعادل آنذاك نحو 2.19 دولارًا أمريكيًا، في واحدة من أقوى مراحلها عبر تاريخها الحديث.
المصادر
النظام النقدي في سورية – جورج عشي.
النقود والبنوك في البلاد العربية (سورية ولبنان) – الدكتور فؤاد مرسي.
أديب الشيشكلي… الحقيقة المغيبة – بسام برازي وسعد فنصة.

من صفحة الاستاذ علاء الدين تلجبيني
Alsharq News الشرق نيوز