منار عبد الرزاق
فيما يلي النص الكامل للجزء الثاني من مقابلة السيد الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة
النص الكامل لمقابلة للرئيس الشرع مع الجزيرة (الجزء الثاني)
الشرع: لم ألتزم بقواعد الحركات الإسلامية وتعلمت من هزائم العراق وسوريا.
استعاد الرئيس السوري أحمد الشرع، في الجزء الثاني من برنامج “المقابلة” الذي تبثه قناة الجزيرة، أبرز المحطات الشخصية والفكرية والسياسية التي مرّ بها، بدءًا من نشأته في حي المزة بدمشق والجذور الجولانية لأسرته، مرورًا ببدايات تدينه وذهابه إلى العراق وتجربة السجن، وصولًا إلى عودته إلى سوريا وبداية العمل الذي قاده لاحقًا إلى مواجهة النظام وتنظيم “الدولة”.
المزة وذاكرة المكان
قال الشرع إن شعور الانتماء يحتاج إلى قدر من الاستقرار، ولا سيما خلال مرحلة النشأة، موضحًا أنه عاش الشطر الأول من حياته في حي المزة بدمشق، ولا يزال يتذكر أشجاره وجدرانه جيدًا.
واعتبر أن الحي الذي يتربى فيه الإنسان يولّد داخله شعوراً بالانتماء، شاء أم أبى، مشيراً إلى أنه توجّه في الليلة الأولى بعد التحرير، عقب زيارته جبل قاسيون والمسجد الأموي، إلى الحي الذي نشأ فيه.
ولفت إلى أن دمشق كانت حينها كئيبة وتعيش في ظلام دامس، قبل أن يدخل الحي ويزور منزل العائلة.
أسرة مثقفة وجذور جولانية
وأوضح الشرع أن أسرته كانت ذات بيئة ثقافية، إذ درس والده الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان مهتماً بصورة كبيرة بالشأن السياسي، كما ينحدر من الجولان المحتل.
وأشار إلى أن والده كان يدرس في العراق عند احتلال الجولان عام 1967، وكان مطلوبماً ن الحكم البعثي في سوريا، فلجأ سياسياً إلى العراق عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، والتحق بجامعة بغداد.
وأضاف أن والدته كانت معلمة لمادة الجغرافيا وتحمل شهادة دبلوم، كما كانت تكتب الشعر والنثر.
الشعر الجاهلي واللغة العربية
وتحدث الشرع عن اهتمامه بالشعر القديم واللغة العربية، موضحاً أنه يستمع إلى شعر عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى.
ولفت إلى أنه يميل بصورة خاصة إلى الشعر الجاهلي والمعلقات، إلى جانب شعر صدر الإسلام والعصر الأموي.
وقال إن أسرته أولت الدراسة والتعليم اهتماماً كبيراً، وإن جميع إخوته متعلمون، مشيراً إلى أنه بدأ دراسته في حي المزة من الصف الأول، وبقي في المدرسة ذاتها حتى الصف السادس الابتدائي.
حيّ بتنوع اجتماعي ومهني
وأوضح الشرع أن مباني الحي كانت في بدايتها مخصصة لجمعيات سكنية تضم فئات مهنية مختلفة، منها الاقتصاديون وحملة الدراسات العليا وموظفو القيادة القطرية والإدارة المحلية والإسكان العسكري.
وأشار إلى أن أصحاب هذه المنازل بدأوا لاحقاً ببيع الشقق إلى تجار ومسؤولين وملاك، ما أدى إلى نشوء بيئة اجتماعية متنوعة وغنية.
النزوح بوصفه بداية من الصفر
وقال الشرع إن أسرته كانت من الطبقة المتوسطة العليا، وكانت أوضاعها جيدة، لكنها خسرت الكثير من أملاكها نتيجة الهجرة والنزوح، واضطر والده إلى بدء حياته من جديد.
واعتبر أن الهجرة والنزوح من أصعب العقوبات التي يلحقها البشر ببعضهم، لأنها تصفّر العداد التاريخي للأسرة أو العشيرة أو القبيلة، وتدفع الإنسان إلى بدء حياة جديدة.
وأشار إلى أنه شاهد ذلك بوضوح في إدلب، عندما كان الناس ينزحون من قراهم وبلداتهم إلى المخيمات ولا يحملون معهم سوى ثيابهم.
ولفت إلى أن بعض النازحين يستسلمون للواقع ويعيشون على المساعدات، في حين ينخرط آخرون في الحياة من جديد عبر الدراسة أو العمل أو ممارسة مهنة، فينجح بعضهم ويتعثر آخرون، لكن حياتهم تنفصل في جميع الحالات عن تاريخهم السابق.
وأضاف أن سوريا بُنيت خلال نحو سبعة آلاف عام أو أكثر، وعندما تقع موجات الهجرة والنزوح يتوقف هذا المسار، ويبدأ الناس مسيرة جديدة من الصفر.
الجولان وفلسطين في الوعي المبكر
وأوضح الشرع أن الحديث عن الجولان والحنين إلى الأرض كان خطابًا يوميًا داخل منزل الأسرة، مشيراً إلى أن والده كان ذا ميول ناصرية وقومية عربية، وبعيداً عن التيارات الإسلامية.
وقال إن والده كان يتحدث باستمرار عن طبيعة الجولان وخضرته وأوديته وأنهاره، وعن أمل العودة إليه، ما أسهم في تكوين صلته بالجولان وفلسطين.
وأضاف أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة خلال التسعينيات وبداية الألفية، في ظل الأزمات التي كانت تشهدها المنطقة، ومنها الاعتداءات المتكررة على لبنان والحرب العراقية الإيرانية.
وأكد أن الخطاب العربي في ذلك الوقت كان موجهًا بصورة أساسية نحو القضية الفلسطينية.
الخوف فطرة بشرية
وأشار الشرع إلى أنه اعتاد خلال حياته العيش في أجواء التوتر والأزمات، حتى أصبحت جزءًا من حياته، لكنه شدد على أن الإنسان، مهما امتلك من قوة، لا يمكن أن يدعي أنه لا يخاف.
واعتبر أن الخوف فطرة بشرية تدفع الناس إلى الحذر من الوقوع في المخاطر الكبيرة، مستذكرًا القول العربي إن غياب الخوف كان سيقود الناس إلى إهلاك أنفسهم.
بداية التدين وأسئلة الواجب
وقال الشرع إن بداية تدينه تعود إلى نحو عام 2000، حين كانت المنطقة تعيش ضغطاً كبيراً وكانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها، وكان عمره حينها نحو 17 أو 18 عاماً.
وأضاف أنه دخل في تلك المرحلة في مساحة واسعة من التفكير مع نفسه، وبدأ يطرح أسئلة تتعلق بسبب خلق الإنسان، والواجب الذي ينبغي عليه أداؤه، وما إذا كانت الحياة تقتصر على العمل والأكل والشرب ثم الموت.
وأشار إلى أن الظروف الضاغطة في المنطقة دفعته إلى التساؤل عن الدور الذي يمكن للإنسان القيام به، موضحاً أنه فهم بصورة تلقائية، ومن دون أن يعلمه أحد، معنى الواجب تجاه المجتمع والناس وخدمتهم والدفاع عن المظلومين.
أثر الخطاب القومي العربي
وأوضح الشرع أن الخطاب القومي العربي السائد في منزله أثّر في توجهه السياسي والأخلاقي، لأنه كان يقوم على وجود قضية يسعى الناس إلى تحقيقها ويضحّون من أجلها، ويتناول مآسي الشعوب العربية وقضاياها.
لكنه لفت إلى أن هذا الخطاب لم يقدم أجوبة عن أسئلته وقلقه، ولم يفرز تجارب ناجحة، بل شهد انتقالاً من نكسة إلى نكبة، وسادت داخله حالات من اليأس والانغلاق والشعور بأن مشكلات المنطقة أكبر من قدراتها.
وأشار إلى أن التوجه خلف بعض القضايا والعناوين والزعامات الإقليمية لم يحقق النتائج المرجوة.
وأكد أن أكثر ما أثر فيه لم يكن كتابًا أو شخصًا محددًا، وإنما الحالة الضاغطة في المنطقة، بما شملته من حروب وأزمات وقتل للأبرياء.
ولفت إلى أن مشهد قتل الأطفال، ومن بينهم محمد الدرة خلال الانتفاضة الفلسطينية، ترك أثرًا كبيرًا فيه.
تحفظات على تجارب الحركات الإسلامية
وقال الشرع إن التجارب الإسلامية في ذلك الوقت لم تكن مشجعة لمن يبحث عن الخلاص من المأساة التي تعيشها الأمة، داعيًا إلى التمييز بين الإسلام والتجارب الإسلامية التي تدخل فيها الأفكار والاجتهادات البشرية.
واعتبر أن تلك التجارب لم تشكل حالة وعي كبيرة، لأنها كانت تستحضر التاريخ من دون مراعاة الواقع، ما أدى بمن راهن عليها إلى الانكسار والفشل والضياع.
وأوضح أنه لم يلتزم بقواعد الحركات الإسلامية، رغم اطلاعه عليها في بدايات نشأته، وعندما تحمل مسؤوليات أكبر حاول، مع الفريق الذي عمل معه، التفكير بصورة مستقلة عن الإرث الثقافي لهذه الحركات وتأثيره في العمل الميداني.
رفض تقديس الأفكار البشرية
وقال الشرع إنه يؤمن بمبادئ عامة، في مقدمتها خدمة الناس والدفاع عنهم ورفع الظلم عنهم، وهي مبادئ يحض عليها الإسلام وديانات العالم.
لكنه رفض تحويل مجموعة من الأفكار البشرية إلى أفكار مقدسة تنزل منزلة الدين، معتبرًا أن الواقع يحتاج إلى الاجتهاد والسعة، وأن الانغلاق لن يؤدي إلى نتائج جيدة في ظل تسارع الأحداث وتشابكها.
وأشار إلى أن كل حدث يحتاج إلى تشريح وتفصيل، مع وجود إرث ثقافي يوفر ضوابط أخلاقية عالية تكبح نزعات التعدي وتحفظ أخلاق الخصومة والحرب.
ولفت إلى أنه لا يؤمن بالالتزام بأفكار كُتبت قبل مئة عام وكأنها قواعد دينية ملزمة، ولا سيما إذا لم تحقق نتائج ناجحة في بيئاتها الأصلية.
جامع الأكرم وذكريات صلاة الفجر
وتحدث الشرع عن مواظبته على الصلاة في جامع الأكرم بحي المزة منذ عام 2000، موضحًا أن المسجد كان مخصصًا للصلاة ولم تكن تقام فيه أنشطة دينية أخرى.
وأشار إلى أنه كان يسلك باباً خلفياً لقربه من منزله، مستعيداً الطريق الذي كان يمشي فيه وحيداً ويفكر خلاله طويلاً في الواجبات التي ينبغي عليه أداؤها بوصفه مسلماً يعيش في منطقة مليئة بالاضطرابات.
وقال إنه كان مواظباً على صلاة الفجر، في وقت لم يكن فيه الحي يشهد التزامًا دينياً واسعاً، وكان معظم المصلين من كبار السن، إلى جانب عدد محدود من الشباب.
وأضاف أنه كان يحمد الله ويشكو إليه في الوقت نفسه؛ يحمده لأنه اختاره من بين الناس النيام ليستيقظ ويذكره في المسجد، ويشكو إليه فوات هذا الأجر على الآخرين.
المراقبة الأمنية في بدايات الألفية
وأوضح الشرع أنه لم يتعرض لتدخل أمني مباشر بسبب مواظبته على الصلاة، مشيرًا إلى أن الأمر كان لا يزال في بداياته ولم يكن يمارس أي نشاط سوى الصلاة والعبادة.
ولفت إلى وجود قدر من المراقبة في بداية الألفية، من دون تدخل واسع، معتبرًا أن أجهزة الأمن كانت تتجنب أحيانًا العائلات المثقفة وبعض الأحياء، وتركز بصورة أكبر على الأحياء الفقيرة.
وأشار إلى أنه بدأ لاحقاً محاولة فهم القرآن، وتلقى تفسيره على يد شيخ كان يشرح له المعاني وما بين السطور من دون الاعتماد على كتاب محدد، وهو ما أسهم في منحه توجهاً وبوصلة للطريق.
قرار الذهاب إلى العراق
وقال الشرع إن الانتفاضة الفلسطينية والحرب في أفغانستان وما كان يجري في المنطقة أعادت طرح سؤال الواجب أمامه بصورة مستمرة.
وأضاف أنه كان يتحسر على واقع سوريا، مشيراً إلى أن بيئة دمشق كانت رافضة للنظام، وإن كانت مسالمة ولا تملك أدوات لتغيير الواقع.
وأوضح أن حتى أبناء بعض المسؤولين كانوا، داخل مجتمعاتهم الضيقة، يبتعدون عن سلوك آبائهم، وأن ممارسة التشبيح كانت تؤدي إلى نبذ صاحبها من البيئة الاجتماعية.
وأشار إلى أنه كان يحمل هاجسًا بأن تكون دمشق في حال أفضل، وكان يقول في نفسه: “كان الله في عون من يغيّر واقع الشام”.
ولفت إلى أنه قرر الذهاب إلى العراق مع ظهور إرهاصات الحرب أواخر عام 2002، قبل دخول القوات الأميركية، خشية انقطاع الطرق وضياع فرصة أداء ما كان يعدّه واجباً.
وقال إنه دخل العراق في 15 مارس/آذار 2003 بجواز سفر طبيعي، وكان عمره نحو عشرين عاماً، من دون أن تكون لديه معرفة كافية بواقع البلاد أو خطة مرتبة.
وأضاف أنه توجه إلى منطقة السيدة زينب، ثم رافق زواراً عراقيين في سيارة أجرة إلى العراق، من دون علم أسرته، قبل أن يتصل بها بعد وصوله إلى الأنبار، بعدما كان قد ترك لها رسالة خطية.
تجربة العراق ودروس الحرب
وأوضح الشرع أن هاجسه الأساسي كان يتعلق بكيفية تغيير الواقع في سوريا، مشيراً إلى أن قراءته القرآن والتفسير قادته إلى التاريخ، وإلى إدراك قيمة دمشق ودورها الحضاري، مقابل ما تعرضت له في ظل حكم النظام البعثي.
وقال إنه كان يشعر بأنه غير مهيأ بعد للقيام بدور في تغيير الواقع السوري، وخطر له أن يشهد حربًا كاملة، فإذا نجا منها واكتسب الخبرة أصبح قادرًا على أداء دور لاحقًا.
واعتبر أن الواقع العراقي كان صعباً ومعقداً ومختلفاً بصورة كبيرة عن الواقع السوري، لكنه أتاح له التعرف إلى البيئة القبلية والعشائرية وكرم العراقيين وعاداتهم وتقاليدهم.
وأشار إلى أن دافعه الأساسي كان الدفاع عن الناس، بعدما شاهد آثار الاحتلالات في المنطقة على النساء والأطفال، بعيدًا عن أي توجهات أخرى.
ولفت إلى أن الحرب تحولت لاحقاً إلى حرب أمنية، مع وجود جانب عسكري محدود، وشهدت أخطاء كثيرة خرجت عن المسار الصحيح.
وأوضح أنه كان حينها شابًا يراقب المشهد، ولم يكن يشغل موقعًا قياديًا أو مسؤولًا عن تنفيذ مهام محددة، قبل أن يُلقى القبض عليه ويُسجن نحو خمس سنوات.
السجن والقراءة والمراجعات
وقال الشرع إن ملاحظاته على أداء الجماعات الجهادية ومواقفها وأفكارها بدأت قبل دخوله السجن، ثم تطورت خلال سنوات اعتقاله.
وأشار إلى أن الرؤية السياسية لتلك الجماعات كانت بعيدة عن الواقع، وأن بعضها تعامل مع الناس بصورة فظة وسلبية، ما أثار نقمة السكان، رغم أنها كانت تقاتل دفاعاً عنهم.
واعتبر أن سلوك هذه الجماعات لم يقدم صورة صحيحة عن برامجها وأهدافها.
وأوضح أنه كان يتعلم في الوقت نفسه ولم يكن ينظر إلى نفسه بوصفه صاحب تجربة مثالية، لكنه استفاد داخل السجن من التعرف إلى أفكار وتجارب متنوعة.
“أمجد مظفر”.. الاسم المستعار
وكشف الشرع أنه استخدم داخل السجن اسم “أمجد مظفر”، وهو الاسم المستعار الذي كان والده يستخدمه خلال إقامته في العراق عندما كان مطلوبًا في سوريا.
وأوضح أن والده كان يرسل الرسائل إلى أسرته بهذا الاسم حتى لا تصل إليه الأجهزة الأمنية.
وقال إنه عندما سُئل عن اسمه نسي جميع الأسماء ولم يتذكر سوى اسم “أمجد مظفر”، فدخل به إلى السجن وبقي يستخدمه حتى خروجه.
استثمار الوقت داخل السجن
وأشار الشرع إلى أنه ركز داخل السجن على القراءة والبحث بدلًا من الدخول في المشكلات، معتبراً أن السجن بيئة وحياة مستقلة لها قواعدها وظروفها.
وقال إنه أمضى الفترة الأولى في التفكير في موعد خروجه وكيفيته، قبل أن يرهقه ذلك التفكير، فتصالح مع نفسه وقرر البقاء إلى أن يشاء الله خروجه، واستثمار الوقت المتاح.
وأضاف أنه أصبح يتمنى أن يتحول اليوم إلى 48 ساعة، بعدما صار لديه مشروع ورؤية ولم يعد يجد وقتًا للفراغ.
وأوضح أنه قرأ كتباً في التاريخ، بينها تاريخ الطبري وابن كثير، إلى جانب كتب تفسير القرآن والفلسفة وبعض الروايات، كما كان يقرأ ويكتب بصورة مستمرة.
الكتابة والنصح غير المباشر
وقال الشرع إنه كان يكتب في مجالات متعددة، بينها تقديم النصائح، لكنه لم يكن يحب النصيحة الفجة والمباشرة.
وأشار إلى أنه كان يصوغ ملاحظاته بلغة أدبية ونثرية، بحيث يتلقى الشخص المعني الرسالة على أنها موجهة إليه بصورة خاصة، فيقرأها ويستفيد منها ويحفظها أحياناً.
وأضاف أنه لاحظ فوضى في تدريس المناهج الإسلامية داخل السجن، ووجود أشخاص غير مؤهلين يدرّسون من تلقاء أنفسهم، فاتفق مع مجموعة من السجناء على ضبط عملية التدريس ومنع تقديم معلومات غير موثوقة.
ولفت إلى أنه كان يسعى أيضًا إلى حل مشكلات السجن بأساليب مختلفة عن الطرق التي كانت تتبعها الجماعات الإسلامية.
سوريا بوصفها مفصلاً للتغيير
وأوضح الشرع أنه كان يتحدث إلى المقربين منه عن سوريا، ويقول إنها تمثل المفصل، وإن المنطقة ستشهد حالة تغيير يكون لسوريا دور رئيسي فيها.
وقال إن خلاصة تجربته في العراق تمثلت في ضرورة عدم نقل واقع العراق إلى سوريا، لأن لكل بلد ظروفه ومشكلاته المختلفة.
وأشار إلى أن صورة الواجب تجاه سوريا كانت قد بدأت تتبلور لديه، وأنه استفاد من حجم المشكلات والفتن التي شهدها العراق لتجنب نقلها إلى الواقع السوري.
العودة إلى سوريا وبدء العمل
وقال الشرع إنه عاد من العراق إلى سوريا في 21 آب/ أغسطس 2011، بعد نحو خمسة أشهر من بدء الثورة.
وأوضح أنه مكث متخفياً في محافظة الحسكة قرابة أسبوعين، ثم ذهب إلى حلب قبل أن ينتقل إلى دمشق، حيث بدأ العمل الحقيقي.
وأضاف أنه بقي في دمشق نحو عشرة أشهر، ثم انتقل إلى دير الزور وحلب وإدلب.
ونفى أن يكون قد نقل تنظيماً جاهزاً من العراق إلى سوريا، موضحاً أنه بدأ العمل مع خمسة أشخاص فقط.
وأشار إلى أنه دخل عبر وساطة أشخاص تعرف إليهم في السجن أو كانوا يشغلون مسؤوليات في تنظيم “الدولة”، لكنه وضع شروطاً وضوابط للعمل في سوريا، في مقدمتها عدم نقل واقع العراق إليها.
مواجهة تنظيم “الدولة”
وأوضح الشرع أنه بدأ ترتيب العمل لإسقاط النظام من داخل دمشق، قبل أن ينتقل إلى دير الزور والرقة لجمع بعض المستلزمات.
وأضاف أن دخول تنظيم “الدولة” على الخط أدى إلى نشوء خلاف كبير، أشغلهم مدة طويلة عن المشروع الأساسي في دمشق، وأسهم في انحراف مسار العمل.
وأشار إلى أن الفصائل نفذت عمليات واسعة وسيطرت على مناطق في درعا ودير الزور والرقة وحلب وإدلب وأرياف حماة، قبل أن يبدأ الصراع حول التخلص من أعباء المرحلة السابقة والانتقال إلى مشروع مختلف.
ولفت إلى أن التنظيم دخل إلى سوريا بأجندات مشابهة لما كان قائماً في العراق، لكنها كانت أكثر تشددًا وضيقًا، وحاول تحويل المسار إلى اتجاهات مختلفة.
خسارة 70 في المئة من القوة
وقال الشرع إن الخلاف بدأ بالنقاشات والحوارات، ثم تطور سريعاً إلى صدام عسكري، خسر خلاله نحو 70 في المئة من قوته.
وأوضح أنه بدأ العمل بخمسة أشخاص، ثم ارتفع العدد خلال السنة الأولى إلى نحو خمسة آلاف، قبل أن يتوسع الانتشار خلال السنوات اللاحقة.
وأشار إلى أن النتائج التي تحققت دفعت تنظيم “الدولة” إلى الطمع بالمشروع، بعدما لم يكن يتوقع في البداية نجاحه داخل سوريا.
ولفت إلى أن الصدام مع التنظيم كانت له كلفة كبيرة، إذ قُتل عدد من عناصره ذبحاً بالسكاكين، وتأخر مسار الثورة ودخلت في صراعات داخلية وبينية.
وأضاف أن وجود تنظيم “الدولة” أفاد الحرس الثوري الإيراني في توجيه الرأي العام الدولي، كما مهّد لدخول التحالف الدولي والتدخل الروسي.
وأوضح أنه أعاد تأسيس العمل بعد المواجهات الكبيرة مع التنظيم، انطلاقاً مما تبقى من القوة، والذي قدره بنحو 30 في المئة.
الثورة وتعدد الفصائل والأجندات
واعتبر الشرع أن ظروف العمل كانت شديدة الصعوبة، مؤكدًا أنه لم يدخل في صراعات مع جميع الأطراف، بل جرت حوارات كثيرة داخل البيئة الثورية.
وقال إن المواجهة الأكثر حدة كانت مع تنظيم “الدولة”، وتحولت سريعًا إلى صدام عسكري، في وقت كانت الثورة السورية تعاني التفرق والتشتت وكثرة البرامج والفصائل.
وأشار إلى أن بعض الفصائل نشأ في بيئات مناطقية وعفوية، قبل أن تدخل أجندات مرتبطة بجهات الدعم الخارجي.
ولفت إلى أن سوريا لم تخرج من بيئة فكرية واحدة، وأن المشاركين في الثورة لم يقرأوا من كتاب واحد، بل انحدروا من بيئات إسلامية وعلمانية ومتحررة ومختلفة، وكان كل طرف يحاول إدخال أجندته إلى ميدان العمل تحت عنوان إسقاط النظام.
العمل العسكري ليس كافياً
وقال الشرع إن التعلم الحقيقي بالنسبة إليه كان في الميدان وبيئة الصراع، لكنه شدد على أن العمل العسكري ليس سوى أداة من أدوات العمل، ولا يكفي وحده للتعامل مع واقع بحجم الواقع السوري.
وأضاف أن أي مشروع يحتاج إلى خطاب إعلامي ورأي عام وإدارة للشأن العام، إلى جانب تدريب فريق واسع على بناء المؤسسات والاقتصاد وتحقيق التنمية.
واعتبر أن الفرقة ضعف والاتحاد قوة، موضحاً أنه ركز بصورة كبيرة على توحيد الصف، لأن تعدد الرايات، ولا سيما في العمل العسكري، يمنع الوصول إلى النجاح، في حين يحتاج العمل العسكري إلى إيقاع وقيادة موحدين.
إدلب بوصفها تجربة لبناء المؤسسات
قال الشرع إنه كان يعمل في الوقت نفسه على تلبية متطلبات الحرب والبناء والاقتصاد، رغم أن المنطقة كانت شبه محاصرة وتعيش تحت ضغط كبير.
وأشار إلى أن معنويات الإنسان قد تمر بمراحل متفاوتة، لكنه كان يملك يقينًا بأن النظام سيسقط، وأن الواجب يقتضي الأخذ بالأسباب.
وأوضح أنه كان يراجع المعارك التي خسرتها فصائل المعارضة أمام النظام، ويجد أن جزءًا من أسباب الخسارة يتعلق بالصف الثوري نفسه، رغم قوة النظام والتدخل الروسي.
ولفت إلى أن المشكلة كانت تكمن في ثغرات داخلية حاولوا معالجتها، مشددًا على أن أحد أهم الدروس التي اعتمدها هو عدم تكرار الخطأ مرتين.
وأضاف أن الخسارة بأسلوب معين كانت تفرض عليهم تجنب تكرار الأسلوب نفسه، معتبرًا أن تكرار الفشل والخسارة بالطريقة ذاتها هو الإشكال الحقيقي، قبل أن يتحول هذا المبدأ إلى ثقافة لدى فريق العمل.
وقال الشرع إنه كان واثقًا من الوصول إلى يوم سقوط النظام، مؤكدًا أن النظام ارتكب جرائم كثيرة بحق الشعب السوري، وأن إزالته كانت ضرورة لا تخص السوريين وحدهم.
وأشار إلى أن الصف الثوري كان يعاني الضعف والحصار والتصنيف والخصومات الداخلية، سواء بين الداخل والخارج أو بين قوى الداخل نفسها، لكنه ظل متمسكًا بهدف واضح يتمثل في إسقاط النظام والدفاع عن الناس.
وأوضح أن خطط البناء لما بعد التحرير كانت حاضرة، وأن فريقًا كان يتدرب عليها من خلال الأعمال التي نفذها في إدلب.
وأشار إلى أن مجموع هذه العوامل جعل المناطق المحررة تتفوق على مناطق النظام في بعض جوانب المستوى المعيشي، لافتًا إلى أن الحرب لم تكن تُقاس لديهم بالجانب العسكري وحده.
مجلس شورى وجامعات ومدينة صناعية
قال الشرع إن الهدف في إدلب كان التدريب على أدوات البناء والإدارة، موضحًا أن المنطقة شهدت إنشاء مجلس للشورى تُطرح فيه الآراء وتُسن القوانين.
وأضاف أنه جرى إنشاء جامعات ذات مستوى جيد، إلى جانب مؤسسات اقتصادية ومدينة صناعية كبيرة وأحياء سكنية وطرقات ومراكز تسوق وأسواق.
وأشار إلى أن الكهرباء كانت متوفرة في إدلب على مدار 24 ساعة، في حين كانت تصل إلى دمشق ساعة ونصف الساعة أو ساعتين، مؤكدًا أن ذلك تحقق بجهد ذاتي ومحلي.
ولفت إلى أن إدلب تحولت إلى منطقة جاذبة للسكان، وشهدت حركة كبيرة وارتفاعًا في عدد المقيمين، مع توفير فرص عمل للعاطلين، رغم أن أكثر من نصف سكانها كانوا من النازحين.
رسائل مبكرة إلى العالم
وأوضح الشرع أنه تعمد في مرحلة مبكرة تعريف العالم بالحالة الموجودة في إدلب، حتى لا تُقارن بتجارب أخرى أثارت الخوف، مثل ما جرى في الرقة ومناطق أخرى.
وقال إنهم حاولوا تقديم نموذج واضح ونقل حقيقتهم إلى الخارج، حتى لا يتفاجأ العالم بهم عند حصول التحرير، ولا يبدأ بالتعرف إليهم لحظة وصولهم إلى دمشق.
وأشار إلى أنهم وجّهوا رسائل عبر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والزوار الذين كانوا يأتون إلى إدلب ويطلعون على واقعها.
وأضاف أن هذه الزيارات شملت الاطلاع على أوضاع الأقليات والفصائل وطريقة التعامل معها، إلى جانب الواقع المعيشي والخدمي.
التطور الفكري ورفض الجمود
قال الشرع إن إنكار التطور الفكري يُعد حالة سلبية، معتبرًا أن الإنسان الذي يجمد على حالة أو فكرة واحدة لا يستفيد من التعلم والتجربة.
وأشار إلى أن الإنسان يتعلم لكي يتغير ويكتشف أمورًا جديدة، وأن خوض التجارب يقوده إلى نتائج إضافية وتصحيح الأخطاء.
واعتبر أن الجمود على عنوان أو أفكار محددة هو مكمن الخطر، وهو أحد أسباب دوامة الفشل التي عانت منها المنطقة خلال المئة عام الماضية.
دمشق لم تغب عن عيني
أكد الشرع أن دمشق لم تغب عن عينيه لحظة واحدة، وأنه كان يراها كل يوم بوصفها هدفًا واقعيًا قابلًا للتحقق.
وكشف أنه أوصى بعض رفاقه منذ عام 2012 بصناعة منبر يُنقل عند دخول دمشق، لإلقاء أول خطبة عليه، قبل أن يكون منبر المسجد الأموي هو المنبر الذي ألقى منه خطابه بعد سقوط النظام.
الاعتزاز باسم “أبو محمد الجولاني”
وقال الشرع إن اسم “أبو محمد الجولاني” جزء من تاريخه، موضحًا أن انتسابه إلى الجولان يمثل نسباً يعتز به.
وأضاف أنه لم يبدأ مسيرته رئيساً، بل مر بسلسلة طويلة من الأعمال امتدت لأكثر من 23 عاماً من العمل الشاق.
وأشار إلى أن هذا التاريخ يحمل أعباء كثيرة ودماء وشهداء ومعاناة وصيحات عدد كبير من الناس.
وأكد أن تاريخه لا يعيبه، بل يعتز به ويفتخر، معتبراً أنه أصبح جزءاً من التراث السوري بصورة أو بأخرى.
خسارة نصف المناطق المحررة عام 2019
تحدث الشرع عن الاستعداد لمعركة “ردع العدوان”، موضحاً أنها جاءت بعد الحملة العسكرية الكبيرة التي شنها النظام وروسيا على إدلب عام 2019، واستمرت حتى آذار/ مارس 2020.
وقال إن الفصائل خسرت خلال تلك الحملة نحو نصف المناطق المحررة في شمال غربي سوريا، في معركة قاسية شاركت فيها إيران بصورة كبيرة.
وأشار إلى أن هذه المرحلة جاءت بعد إنهاء وجود المعارضة في درعا وحمص والقلمون والغوطة الشرقية، عبر ما عُرف بمسار خفض التصعيد.
وأضاف أن النظام وحلفاءه حاصروا مناطق المعارضة وهجّروا سكانها، ثم بدأوا حملة جديدة على إدلب، قبل أن تتوقف القوات على مسافة تقارب 20 كيلومتراً من المدينة.
توحيد القوى العسكرية وفصلها عن الإدارة المدنية
قال الشرع إنهم بدأوا بعد ذلك الاستعداد لمرحلة جديدة، من خلال إعادة تهيئة القوى العسكرية وتوحيد الفصائل بقدر المستطاع.
ووصف عملية التوحيد بأنها صعبة، مشيرًا إلى أن الناس كانوا قد وصلوا إلى حالة من اليأس وضاقت الخيارات أمام الجميع.
وأوضح أن محاولات دمج الفصائل في السابق كانت تبوء غالباً بالفشل، أو تحقق نجاحات جزئية وشكلية.
وأضاف أنهم قرروا حينها النظر إلى الجانب العملي بدلاً من الاكتفاء بدمج الأسماء، ولا سيما في الترتيب العسكري.
وأشار إلى أن إدلب انتقلت من مرحلة إدارة المنطقة عبر الفصائل والحواجز والعشوائية إلى مرحلة الحوكمة، بعد إنشاء حكومة الإنقاذ قبل ذلك بعامين.
ولفت إلى أن مهمة الفصائل أصبحت مقتصرة على العمل العسكري، بعد فصل العمل العسكري عن إدارة الشأن المدني وإشراك شريحة واسعة من المجتمع في الإدارة العامة.
واعتبر أن ذلك سهّل عملية التوحيد، لأنه أزال التنافس بين الفصائل على النفوذ داخل المناطق المحررة.
وأضاف أن حكومة الإنقاذ تولت إدارة الشأن العام، في حين اقتصرت مهمة الفصائل على المعسكرات والجبهات.
تراجع المظاهر العسكرية في إدلب
قال الشرع إن المظاهر العسكرية تراجعت في إدلب، ولم يعد المواطن يرى حضورًا عسكريًا واسعًا في حياته اليومية.
وأوضح أن إدارة مركزية تولت شؤون الحواجز، وزُوّدت بكاميرات ومراكز تدريب، شملت تدريب العناصر على اللباقة في استقبال المواطنين والتفتيش.
وأشار إلى أن الفصائل اندمجت بدرجة كبيرة ضمن قيادة عسكرية موحدة، وقدّر نسبة الاستجابة بنحو 65 في المئة.
ولفت إلى أن بقية الفصائل لم تعرقل الترتيب الجديد، بخلاف ما كان يحدث في محاولات الاندماج السابقة.
واعتبر أن الصدمة الكبيرة التي تعرضت لها الثورة جعلت الأطراف أكثر استعدادًا للتجاوب مع مشروع التوحيد.
التدريب والصناعة العسكرية الذاتية
أوضح الشرع أن المرحلة شهدت تدريبات واسعة داخل المعسكرات، وتهيئة نوعية على صعيد التسليح والتدريب.
وأشار إلى أنهم بدأوا الاهتمام بالصناعة العسكرية الذاتية، وصنعوا داخل المناطق المحررة بعض اللوازم التي تخدم واقع المعركة.
وقال إن الهدف كان تقليل الحاجة إلى الدعم الخارجي، في وقت كان الدعم العسكري المقدم إلى الفصائل قد توقف.
وأضاف أن سوق السلاح السوداء التي كانت موجودة في مرحلة سابقة جفّت تدريجيًا وانتهت.
تركيا لم تكن مقتنعة بنجاح المسار العسكري
تحدث الشرع عن الظروف الإقليمية والدولية التي سبقت معركة “ردع العدوان”، موضحاً أن الظرف السياسي كان يصب في صالح النظام السابق.
وأشار إلى أن كثيرين يئسوا من إمكان نجاح الثورة، فيما كانت تركيا تعاني ضغوطاً داخلية بسبب وجود اللاجئين السوريين، مع تصاعد خطاب المعارضة ضد الحكومة على خلفية هذا الملف.
وقال إن الخيارات العسكرية لم تكن مطروحة حينها، وكان مسار المصالحة مع النظام هو السائد، رغم اقتناع جزء كبير من السياسيين الأتراك بعدم جدواه.
وأضاف أنه لم يكن يعتقد أن المسار السياسي سينجح، لأن المطالب التركية لم تكن متوفرة لدى النظام.
وأوضح أن وجهة النظر التركية كانت مختلفة عن التوجه العسكري، لكنها لم تمنع التحرك.
وأشار إلى أن لدى تركيا مخاوف من فشل المعركة، وما قد يترتب عليه من رد روسي عنيف وقصف للمناطق المحررة، بما يؤدي إلى موجة نزوح ولجوء جديدة نحو أراضيها.
وأضاف أن الجانب التركي لم يكن مقتنعاً بصورة كاملة بجدوى العمل العسكري، وكان يعتقد أن الفصائل قد تسيطر على عدد محدود من القرى قبل أن يرد النظام وحلفاؤه.
الدول العربية ومسار المصالحة
قال الشرع إن مسار المصالحات مع النظام كان قائماً أيضاً لدى الدول العربية، باستثناء قطر التي لم تدخل في هذا المسار.
وأشار إلى أن الواقع السوري كان يشهد انغلاقاً سياسياً، وأن بعض الدول العربية وتركيا حاولت سحب النظام السابق إلى موقع أقل ارتباطًا بإيران.
وأوضح أن المصالحات لم تكن تعبيراً عن الرضا عن أفعال النظام، بل محاولة لنقله من معسكر إلى آخر وتقليل تأثير التدخل الإيراني في المنطقة.
وأكد أن قرار إطلاق المعركة كان قراراً ذاتياً واتُخذ بإرادتهم، وجاء مخالفًا للتوجهات الإقليمية والدولية السائدة.
ووصف القرار بأنه صعب، لأنه سار عكس جميع الاتجاهات القائمة في ذلك الوقت.
“التوفيق والإعداد الصحيح”
عزا الشرع نجاح المعركة أولاً إلى توفيق الله، ثم إلى الإعداد الصحيح الذي استغرق فترة طويلة.
وقال إن توقف المعارك عام 2019 دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الأمور انتهت، في حين بدأت لديهم منذ ذلك الوقت “معركة الإعداد”.
واعتبر أن الإعداد الصحيح يوفر كثيراً من الجهد خلال المعركة العسكرية.
وأشار إلى أنهم أولوا اهتماماً كبيراً للوضع المعيشي والاقتصادي في إدلب، وأن الفرق بين مناطقهم وبقية المناطق السورية كان واضحاً في عدد من الخدمات.
وأضاف أن بعض الفصائل والجماعات في مناطق أقصى شمال حلب لم تكن خاضعة لقيادتهم، ووقعت بعض المشادات بعد الانتصار في حلب، قبل أن يعاد توحيد البوصلة بسرعة.
من رغيف الخبز إلى الجامعة
أكد الشرع أن الاستعداد لدخول حلب لم يقتصر على الجانب العسكري، بل شمل جميع جوانب الحياة، من رغيف الخبز إلى الجامعة وسيارات النظافة.
وقال إن عمال النظافة دخلوا إلى المدينة بعد خروج القوات العسكرية بيوم واحد فقط.
وأشار إلى أن الأفران والإدارات ومختلف القطاعات كانت جاهزة، مستفيدين من المؤسسات التي جرى بناؤها في إدلب.
واعتبر أن إدلب كانت بمثابة دولة مصغرة تضم مؤسسات تغطي مختلف مناحي الحياة.
لحظة دخول دمشق
قال الشرع إنه لم يكن متفاجئاً بلحظة دخول دمشق، لأنه كان يملك اطمئناناً بأن ذلك سيقع.
وأضاف أنه فكر في المشهد مرات كثيرة حتى بدا له كأنه رآه من قبل، ولذلك سار في دمشق وكأن اللحظة سبق أن مرت عليه.
ضبط السلاح والسلم الأهلي
أوضح الشرع أن أول ما شغله في اليوم التالي للتحرير كان ضبط السلاح المنفلت، وتحويل حالة الفصائل إلى نظام وقانون وجيش يتناسب مع الدولة السورية.
وأشار إلى أن عقلية الفصائل تشكلت خلال سنوات الثورة وفق قواعد وقوانين مختلفة، وأن نقلها إلى حالة الدولة كان أحد أبرز التحديات.
وأضاف أن السلم الأهلي شكل تحدياً آخر، في ظل الأحقاد والرغبة في الانتقام بعد ما تعرض له السوريون.
وقال إن لدى سوريا أكثر من 250 ألف مفقود، وإن عائلات كثيرة لا تزال تبحث عن عظام أبنائها في المقابر الجماعية ومواقع المجازر.
ولفت إلى أن هذه الظروف فرضت التحرك سريعاً باتجاه مأسسة الدولة، وضبط السلاح وتشكيل قوة أمنية.
مؤسسات جاهزة لاستلام الدولة
قال الشرع إن نواة المؤسسات كانت موجودة قبل دخول دمشق.
وأشار إلى أنه طلب من القوى العسكرية، خلال خطابه في المسجد الأموي، العودة إلى مقارها العسكرية في صباح اليوم التالي، مقابل دخول المؤسسات إلى مواقعها.
وأوضح أن المؤسسات كانت جاهزة لاستلام إدارة الدولة، وأن عملية تسليم وتسلم جرت بين مؤسسات النظام السابق والمؤسسات الجديدة.
وأضاف أن رئيس الحكومة كان موجوداً قبل دخول دمشق، وأن رأس النظام كان قد فر في ذلك الوقت.
صفحة جديدة باستثناء مرتكبي الجرائم
أكد الشرع أنهم فتحوا عند الوصول إلى دمشق صفحة جديدة، باستثناء الأشخاص الذين ارتكبوا مجازر، أو ساهموا في جرائم جماعية ومنظمة.
وقال إن الأبواب فُتحت أمام الجميع، وإن عدداً كبيراً من الأشخاص مُنحوا فرصة للتعرف إلى الواقع الجديد.
وأشار إلى أن النظام رسّخ خلال 14 عامًا في عقول الناس أن الثورة إرهابية، وأن سقوطه يعني القضاء على فئات واسعة من المجتمع.
وأوضح أنه يلتقي بصورة مستمرة عامة الناس والأعيان وشرائح مختلفة من المجتمع، سواء خلال زياراته إلى المحافظات أو عبر دعوتهم إلى لقاءات مباشرة.
وأضاف أن هذه اللقاءات تهدف إلى الإجابة عن أسئلة الناس والاستماع إليهم.
قيادة الثورة كانت أصعب من قيادة الدولة
اعتبر الشرع أن قيادة الثورة كانت أصعب من إدارة سوريا، لأن ظروفها اتسمت بحرب مستمرة ونزوح وهجرة وعزلة دولية وشبه حصار على إدلب وما حولها.
لكنه أشار إلى أن تجربة إدلب كانت غنية وتحمل فوائد عديدة، مع التأكيد أن ليس كل ما طُبق فيها يصلح للتطبيق على مستوى سوريا بسبب اختلاف الواقع.
وأوضح أن التجربة قدمت نواة معرفية في تنظيم المؤسسات وإدارة الأمور.
دمج خبرات السوريين
قال الشرع إن الدولة الجديدة استفادت من خبرات السوريين الذين عاشوا تجارب الهجرة واللجوء في ألمانيا والولايات المتحدة وكندا ودول مجلس التعاون الخليجي.
وأشار إلى أن النجاح يكمن في دمج خبرات من عاشوا في المناطق المحررة، ومن ناصروا الثورة خارج سوريا، وأصحاب الكفاءات الفنية والخدمية في مؤسسات النظام السابق.
وأضاف أن الخطوة التالية تتمثل في الوصول إلى قانون ناظم للحياة، ينقل إدارة الدولة من المزاجية والآراء الشخصية إلى القانون والمؤسسات.
سوريا في “غرفة العناية المشددة”
قال الشرع إن سوريا تعاني مشكلات كثيرة، وشبّه وضعها بالمريض الموجود في غرفة العناية المشددة.
واعتبر أن إصلاح الواقع لا يحتمل تحويل البلاد إلى حقل تجارب لكل صاحب فكرة.
وأكد أن المجال واسع لمشاركة الجميع، وأن الباب لم يُغلق في وجه أحد.
لكنه شدد على أنه غير مستعد لنقل جميع المشكلات التاريخية التي نشأت قبل الثورة أو خلالها إلى الواقع الحالي، وتحميل الشعب نتائجها.
ودعا إلى بداية جديدة عنوانها المصداقية، تقوم على شرح كل مشكلة والبحث عن علاج مناسب لها.
واعتبر أن المشكلات السورية شديدة التعقيد، ولا تكفي لحلها وصفات جاهزة أو حلول مكررة، بل تحتاج إلى حلول خارج الصندوق.
قاسيون المحطة الأولى بعد التحرير
قال الشرع إنه كان يتردد إلى جبل قاسيون قبل ذهابه إلى العراق، شأنه شأن كثير من الدمشقيين.
وأوضح أن قاسيون كان وجهته الأولى عند وصوله إلى دمشق في 8 كانون الأول/ ديسمبر، رغم وجود قصف إسرائيلي في محيط المنطقة.
وأضاف أنه أراد أن يبدأ دمشق من قاسيون، لأن هذا المشهد يشعره بأوجاع المدينة وأفراحها، ويتيح له رؤيتها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.
وأشار إلى أن شرفة مكتبه تطل أيضاً على دمشق، وأنه يحب مشاهدتها ومخاطبتها، مؤكداً وجود علاقة خاصة بينه وبين المدينة.
دمشق وحضارة البشرية
قال الشرع إن الوقوف أمام دمشق هو وقوف أمام حضارة البشرية.
وأشار إلى أنه يؤمن بالنظرية التي تقول إن البشرية بدأت من هذه المنطقة، لأنها من أكثر الأماكن ملاءمة لطبيعة الإنسان.
ووصف دمشق بأنها أقدم عاصمة معروفة في التاريخ، مع الإشارة إلى احتمال وجود مدن أو تجمعات بشرية أقدم منها، ومنها حلب.
واعتبر أن ثقافة الاجتماع البشري نشأت في هذه المنطقة، ومنها خرجت معارف اجتماعية وثقافية وصلت إلى مختلف أنحاء العالم.
وأضاف أن دمشق تتمتع بمكانة دينية أيضًا، إذ يُعتقد في التراث الإسلامي أنها أرض المحشر، وقال إنه كما قد تكون نهاية الدنيا فيها، فلربما كانت بدايتها منها.
تحدث الشرع عن تعلق الزوار والعابرين بدمشق، مشيراً إلى أنها تبقى محفورة في ذاكرتهم ويتجدد لديهم الشوق إلى العودة إليها، وكأنها البلد الذي ينتمون إليه.
وشبّه هذا الشعور بذاكرة فطرية أو “فيزيائية”، مثل طائر جارح وُلد في قفص، لكنه يشعر عند إطلاقه في الغابة بأنه يعرف المكان رغم أنه لم يره من قبل.
وقال إن طبيعة الإنسان تألف العيش في دمشق، لأنها تتوسط العالم جغرافيًا، وليست قريبة جدًا من البحر ولا بعيدة عنه، وتتمتع بارتفاع متوسط وموقع تجاري واستراتيجي.
وأشار إلى أن هذه العوامل جعلتها حاضرة في جميع مراحل التاريخ البشري.
المخاطر المحيطة بسوريا
قال الشرع إن كل بلد يملك إرثاً تاريخياً وأهمية استراتيجية يبقى محاطًا بالمخاطر، لأنه لولا أهميته لما تحول إلى مطمع للآخرين.
وأشار إلى أن دمشق وسوريا عموماً تتمتعان بموقع استراتيجي، ما يفرض عليه البقاء في حالة حذر دائم.
وأوضح في ختام المقابلة أنه اعتاد بيئة الاضطرابات والأزمات، وأصبح يتوقع الأزمات ويقرأ الأحداث بصورة متسلسلة ودائمة، بهدف تجنب أكبر قدر ممكن من المخاطر.
Alsharq News الشرق نيوز