«دولة المواطنة السورية والعقد الاجتماعي»… رؤية اللاذقاني لإعادة بناء الثقة بين السوريين
همسة زغيب
استضافت مديرية الثقافة في دير الزور، مساء أمس السبت 3 أكتوبر تشرين أول ، الكاتب والمفكر والصحفي السوري الدكتور محي الدين اللاذقاني، في ندوة حملت عنوان «دولة المواطنة السورية والعقد الاجتماعي»، على مدرج المحافظة.
شهدت الندوة نقاشات امتدت من مفهوم الدولة وعلاقتها بالمجتمع، إلى موقع المسؤول بين الكفاءة والمشاركة، مروراً بحرية التعبير ومسؤولية الكلمة، وصولاً إلى أسئلة المثقف ودور المؤسسات في استعادة الثقة بين السوريين.
جاءت الندوة كمساحة لطرح أسئلة تتعلّق بما يحتاجه السوريون اليوم لإعادة بناء علاقتهم بالدولة والإنسان معاً.
الغياب كالحضور
بدأ اللاذقاني حديثه من دير الزور نفسها، قائلاً إنها «موعد انتظرته طويلاً»، قبل أن يستعيد ما مرّت به خلال السنوات الماضية، لتتحول هذه الإشارة إلى بوابة نحو الإنسان السوري وما حمله من خوف وغياب وثقل في الذاكرة.
واستعاد سنوات المنفى حين مُنع اسمه من الظهور في وسائل الإعلام السورية، فظنّ عند عودته أن الناس ربما لم يعودوا يعرفونه.
لكن ما وجده كان مختلفاً؛ وجوه تعرفه وقرّاء يتابعون كتاباته، فشعر وكأنه نال جائزة كبرى بعد الغياب، وكأن سنوات المنفى لم تُطفئ أثر الكلمة في ذاكرة الناس، ولم تُبعده عن جمهوره الذي ظلّ يرى فيه صوتاً حاضراً رغم البعد.ومن تجربتة اتسع الحديث ليشمل العلاقة بين السوريين اليوم.
ورأى اللاذقاني أن كثيراً مما جرى خلال الأشهر الماضية كان يمكن أن يمر بصورة أفضل لو كان التواصل أوسع والثقة أعمق، فالقضية في جوهرها قضية وعي وإعادة بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة، علاقة تحتاج إلى مراجعة شكل المؤسسات ودور النخب الثقافية في هذه المرحلة الدقيقة.

الخراب لم يبدأ بالأبنية
حين يتصدّع الداخل، يصبح الحجر آخر ما يُرمَّم، بهذه الروح تحدّث اللاذقاني عن الخراب الذي لم يبدأ بالأبنية، بل بالإنسان نفسه وبالعلاقات التي تجمع الناس. وقال إن «الخراب لم يبدأ بالأبنية»، لأنه طال النفوس والثقة والروابط الاجتماعية.
ومن هنا بدا أن دور المثقف يمتد إلى محاولة ترميم ما أصاب الوعي والعلاقات من شرخ بعيداً عن الكتابة.
وتوقف عند سنوات الخوف والشك، متهماً الأجهزة الأمنية في عهد النظام السابق بإفساد العلاقة بين الناس وزرع الريبة داخل المجتمع، حتى وصلت إلى أدق الروابط بين الجيران والأزواج والمحيط القريب.
لذلك، لم يكن حديثه عن إعادة البناء مقتصراً على الحجر، بل على الإنسان أيضاً، وما تركته سنوات الخوف في النفوس، ما يجعل مسؤولية المثقف اليوم أثقل وأكثر إلحاحاً في إعادة بناء الثقة والخطاب العام.وانتقد القوانين التي حكمت السوريين خلال المرحلة السابقة، واصفاً إياها بأنها «قوانين دولة استبدادية» كانت تفكر في قمع المواطن أكثر مما تفكر في خدمته.
ورأى أن البلاد ورثت «خراب القوانين وخراب الإدارة»، وأن معالجة هذا الإرث لا يمكن أن تقتصر على إصلاحات سطحية لا تمس جوهر المشكلة.
وكان أكثر وضوحاً حين قال إن «الجهاز الإداري القديم لا يحتاج إلى إصلاح وإنما إلى نسف»، في إشارة إلى ضرورة التغيير الجذري في بنيته وأساليب عمله، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال: من يملك شجاعة طرح هذه التغييرات إن لم يكن المثقف؟

علاقة المثقف بالسلطة
وفي سياق متصل، ركّز اللاذقاني على موقع المثقف في المرحلة الراهنة، معتبراً أن العلاقة بين المثقف والسلطة كانت دائماً علاقة مربكة، لكنها اليوم أكثر تعقيداً. قال إنّ «مثقفنا السوري يحتاج إلى كل شجاعة المثقفين الكبار»، لأن طبيعة المرحلة تضعه أمام مسؤولية أن يكون جزءاً من النقاش العام، لا متفرجاً على هامشه، وأن يمتلك الجرأة على النقد حين يرى خطأ.وأشار إلى أن تجربة المنفى تضيف إلى المثقف خبرات لا تتوفر دائماً داخل البلاد، لأنه يعيش بين مجتمعات وثقافات وتجارب مختلفة، ويعود برؤية أوسع لما يجري حوله.
واختصر موقفه بعبارة: «المثقف الحقيقي يتعامل مع ضميره، والمثقف الجبان يتعامل مع مصالحه»، فالكتابة موقف قبل أن تكون مهنة، والصمت في لحظات الحقيقة ليس حياداً بل تخلٍّ عن الدور.
أما حرية التعبير، فلم يفصلها عن مسؤولية الكلمة، لافتاً إلى أن وجود قانون يحاسب على الخطأ يدفع الإنسان إلى التفكير ملياً قبل إطلاق كلمة قد تترك أثراً سلبياً في المجتمع. لكنه شدد على أن المثقف لا يمكن أن يتخلى عن دوره في طرح الأسئلة الصعبة، وأنّ مسؤوليته تكمن في جعل الكلمة أداة لبناء الوعي لا لتكريس الانقسام.
وفي حديثه عن الإعلام الرسمي، قال إنه يفترض أن يكون «بوصلة» تساعد المواطن على فهم ما يجري، لكنه أشار إلى أن الإعلام، مثل المثقف، لن يصل إلى الناس إذا ظل بعيداً عن حياتهم الفعلية وأسئلتهم الحقيقية، وأن أي خطاب ثقافي أو إعلامي يفقد تأثيره عندما لا يقترب من الإنسان في تفاصيل يومه.
أخيراً
اختتم اللاذقاني حديثه بالتأكيد على أنّ المثقف والمؤسسة لا يستطيعان أداء دورهما بعيداً عن المجتمع، وأن الاقتراب من الناس يبدأ من فهم حياتهم اليومية والإنصات إلى احتياجاتهم وقضاياهم الماسّة. وبناء دولة المواطنة يبدأ من الإنسان نفسه، وأن استعادة الثقة تبقى الطريق الأهم للخروج من آثار الماضي وصياغة علاقة جديدة بين المواطن والدولة على أسس أكثر عدلاً ووضوح، فالطريق إلى دولة المواطنة يبدأ من الإنسان، وينتهي إليه.وتأتي الندوة ضمن برنامج مديرية الثقافة في دير الزور لإقامة فعاليات ولقاءات تفتح المجال أمام النقاش حول القضايا الثقافية والفكرية التي تشغل المجتمع السوري، وتقرب النشاط الثقافي من أسئلة الناس وهمومهم اليومية.

Alsharq News الشرق نيوز