بيروت
تقول الكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي: “أخاف أن أستيقظ يومًا، فلا أجد الوطن في مكانه. في 1 حزيران 1976، استيقظ لبنان على صوت جنازير الدبابات السورية تعبر الحدود. لم يعد الوطن في مكانه، بل في معادلات الخارج، وفي خريطة نارٍ تُرسم بالدم والاتفاقات السرّية.”
متل اليوم ب 1 حزيران/ يونيو 1976
الآليات العسكرية السورية التي تحمل المئات من الجنود السوريين، ترافقها عشرات الدبابات وناقلات الجند، تعبر الحدود السورية باتجاه الأراضي اللبنانية.
عبر معبر المصنع تقدمت القوات السورية، عمادها الفرقة الثالثة المدرعة، قُدِّرت طلائع القوات القادمة من حدود المصنع بحوالي أربعة آلاف جندي تدعمها مئتان وخمسون دبابة، انطلاقًا من البقاع نحو محورين:
محور المديرج نحو زحلة، وباتجاه جزين.
توجهت القوات لفك حصار الفلسطينيين واليسار عن المعاقل المسيحية، وأهمها مدينة زحلة.
تزامن ذلك مع دخول حوالي 1000 جندي من معبر العبودية شمالًا لوضع حد للمذبحة التي كانت ترتكب بحق المسيحيين في القبيات، وفقًا لما أعلنته دمشق.
يقول مسعود الخوند: خلال النهار الأول لدخول السوريين أمضت إذاعة دمشق الوقت في بث نداءات ورسائل الاستغاثة التي أرسلها اللبنانيون إلى الرئيس حافظ الأسد طالبين مساعدته، وكان الهدف من هذه المساعدة (وقف المجازر ومنع التقسيم).
مواقف الأطراف الفاعلة في الصراع
أصيب اليسار والفلسطينيون بالهلع والخوف، ودعوا إلى إضراب عام يوم 3 حزيران، فردت القوات السورية بحملة اعتقالات للعناصر اليسارية في البقاع، ومطالبة القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية بالانسحاب إلى أعلى المتن.
اعتبر ياسر عرفات التدخل السوري طعنة في الظهر للقوى الوطنية ومنظمة التحرير.
رحب الرئيس سليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل بالتدخل بحرارة، فيما رحب الرئيس كميل شمعون مع التحفظ، كذلك رحب بالتدخل الخصمان الشيعيان موسى الصدر وكامل الأسعد.

لم يتخذ رشيد كرامة موقفًا، في حين أعرب الزعيم السني الآخر صائب سلام عن تفهمه لموقف صديقه ريمون إده الذي أسماه (الغزو السوري)، ودعا إلى المقاومة.
التقت رؤى كمال جنبلاط مع رؤى بشير الجميل الذي كان غير مرحب بالتدخل، وفي 4 حزيران طالب كمال جنبلاط بتدخل الأمم المتحدة.
أعلنت القوات الفلسطينية واليسار التعبئة العامة، ما حوّل التدخل السوري إلى مواجهات حادة مع الفلسطينيين واليسار على طريق بيروت–دمشق، والذي تراجعت فيه منظمة التحرير وحلفاؤها نحو بحمدون، التي شهدت معركة كبيرة وطاحنة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها من جانب، والجيش السوري المتقدم من جانب آخر. تعرضت مقرات منظمة الصاعقة التابعة لسوريا إلى هجمات منظمة ما أجبرها على إخلاء بيروت، وتعرضت بيروت الغربية لقصف عنيف من الجانب السوري.
في السابع من حزيران تصدت منظمة التحرير في مدينة صيدا للقوات السورية المتقدمة، وأنجزت كمينًا محكمًا أدى لتدمير دبابتين والاستيلاء على أربع دبابات والتمثيل بجثث الجنود السوريين، ما خلق عداءً شخصيًا بين الأسد وعرفات استمر لفترة غير قصيرة.

يقول باتريك سيل: (أرسل الأسد إلى لبنان جيشًا ليعلم الفلسطينيين التعقل، وليبقي المسيحيين عربًا).
كان دخول القوات السورية قد تم بغطاء سياسي أميركي عبر مفاوضات قادها وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، الذي صرح بأن (الولايات المتحدة شجعت المبادرة السورية في لبنان، والوضع يسير لصالحنا، ويمكن رؤية خيوط تسوية)، إضافة لغطاء عربي صدر في قمة الرياض الاستثنائية وقمة القاهرة في خريف 1976، والتي خرجت بضرورة تشكيل “قوات الردع العربية” لاحتواء الحرب الأهلية اللبنانية، وتشكلت من 6 دول عربية، إلا أن العدد الأكبر من هذه القوات كان من الجيش السوري، وسرعان ما انسحبت باقي القوات العربية، ولم يتبقَّ في لبنان بنهاية 1979 سوى قوة سورية.
عن الدخول السوري إلى لبنان نشرت النهار اللبنانية تفاصيل وثائق وزارة الخارجية الأميركية عن تلك الفترة: (في اجتماع عقد مساء الثالث والعشرين من آذار 1976 قال كيسنجر إن إسرائيل “بكل بساطة تريد أن تقوم سوريا باحتلال شمال لبنان، وهذا يعني أنهم سيحصلون على جنوب لبنان”. وتبين المحاضر أن الأميركيين حاولوا من خلال بريطانيا حثّ الاتحاد السوفياتي، الذي لم يكن على علم بطلب سوريا من واشنطن الموافقة على دخولها لبنان، لكي يضغط أكثر على حافظ الأسد لعدم دخول لبنان. وفي اجتماع بتاريخ 24 آذار 1976 قال كيسنجر: “لدينا وضع غريب في لبنان. سوريا تدعم المحافظين والمسيحيين ضد منظمة التحرير والشيوعيين. مصر تدعم اليساريين والمنظمة ضد سوريا، والاتحاد السوفياتي يجب أن يدعم سوريا، ولكنه يدعم منظمة التحرير أيضًا. وإسرائيل بالطبع ضد منظمة التحرير، ونحن لا نستطيع أن نسمح لإسرائيل أن تدخل إلى جنوب لبنان…”).
يقول كريم بقرادوني إن الرئيس السوري حافظ الأسد، وتمهيدًا لدخول لبنان بعد الحصول على الضوء الأخضر الأميركي، كان قد أرسل العميد محمد الخولي لإبلاغ الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس بقرار الدخول السوري، فاعترض الأخير، وأن كميل شمعون رئيس حزب الأحرار وبيار الجميل رئيس حزب الكتائب وافقا بحماسة على مضمون الرسالة، أما الرئيس سليمان فرنجية فقال: “الله يوفق”. وأشار بقرادوني إلى أنه قبل الدخول السوري إلى لبنان حصل تواصل بين الرئيسين الأسد وفرنجية، وأنهما أعدا ما سمي بالوثيقة الدستورية تلبية لمطالب الحركة الوطنية، وأضاف: “رفض كمال جنبلاط وياسر عرفات الوثيقة، وقبل بها كل من كميل شمعون وبيار الجميل”.
في اليوم التالي لدخول القوات السورية صرح وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز أن التدخل السوري موجه ضد ياسر عرفات وحلفائه، وأن القوات السورية دخلت الشمال والوسط وليس الجنوب)، مع العلم أن بيريز كان قد صرح في مطلع العام لصحيفة معاريف أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي في حال دخول القوات السورية إلى لبنان.
يذكر أن التواجد العسكري السوري كان قد بدأ في لبنان عبر منظمة الصاعقة الفلسطينية منذ مطلع الحرب الأهلية، وتعزز بالدخول الكبير والعلني للجيش السوري في مثل هذا اليوم.
في 20 تموز ألقى حافظ الأسد خطابًا على مدرج جامعة دمشق قال فيه: (قررنا أن ندخل تحت عنوان جيش التحرير الفلسطيني، وبدأ هذا الجيش بالدخول إلى لبنان، ولا أحد يعرف هذا أبدًا، لم نأخذ رأي الأحزاب الوطنية ولا غيرها، ولم نأخذ إذنًا من أحد).
بقي الجيش السوري في لبنان حتى نيسان 2005، وخاض معارك مع معظم الأطراف والتيارات والأحزاب والقوى الخارجية، حين تم إخراج القوات السورية بموجب قرار مجلس الأمن 1559.
مصادر
مقالة لهشام ملحم، عدد صحيفة النهار 19-09-2013
باتريك سيل، الصراع على الشرق الأوسط
السلام المفقود، كريم بقرادوني
مقابلة مع كريم بقرادوني
شهادات من وثائقي حرب لبنان على الجزيرة
رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي، محمد سرور زين العابدين
حياتي من النكبة إلى الثورة، نبيل شعث
قوات الردع العربية في لبنان، فؤاد عون
من صفحة علاء الدين تلجبيني
Alsharq News الشرق نيوز