عن الهواشة لسان الصخر على الفرات
قتيبة المشعان
على طول نهر الفرات، وحيثما يتسع سرير المجرى ويمدّ النهر أطرافه مسترخياً، تنبتُ من قاعه ألسنةٌ صخرية صلبة، كأنها أصابعُ الأرض المتمسكة بالحياة. يقفُ هذا الحجر العاري في وجه التيار، يصدّ غائلة الماء ويمنعه من قضم الجروف الطينية الهشة التي تحتضن بيوتنا وبساتيننا.
المحليون من سدنة هذا النهر وحرّاس ضفافه يدعونها “هواشه”…
كلمةٌ تمرّ على آذان الغرباء عابرة، لكنها في وجدان ابن الفرات تفتح جرحاً سحيقاً، وتستدعي عمقاً تراجيدياً لا يعيشه إلا من عُمِّد بماء هذا النهر.
إنها “الهواشة”، من “الهَوْش” والاضطراب والمواجهة؛ حيث تدور عند هذه الصخور معركةٌ صامتة، أبدية وضارية. هنا يشتبك النهر الهادر بجسد الحجر، فيثور الماء، ويضطرب، ويرتفع خريره كأنه زئير محارب مخذول. النهر يريد التهام الطين والذكريات، والصخر يمارس كبرياء العناد ويقف حائلاً دون الفناء.
وهي “الحواشة” بلهجة أهلنا، تلك التي “تحوش” النهر وتكبح جماحه، لتكون خط الدفاع الأخير عن البساتين وعتبات الدور الطينية.
لكن التراجيديا الفراتية لا تقف عند حدود صراع العناصر؛ بل تمتد لتلامس شغاف الفقد الإنساني. فهذه الألسنة الصخرية، التي تحمي الأرض من الانجراف، هي ذاتها المصيدة الغادرة التي تختبئ تحتها الدوامات الساحبة. كم من جسدٍ فتيٍّ بَضّ، خرج يطلب برد الفرات في قيظ الصيف، فابتلعته “الهواشة” في غفلةٍ من الضوء؟ وكم من أمٍّ فراتية وقفت على تلك الجروف، تسكب لوعتها فوق حجرٍ أصمّ غُسلت أقدامه بدموع الثكالى؟
“الهواشة” هي ملحمة الفرات واختصاره؛ شاهدٌ صخري صلب على نهرٍ يعطي الحياة بيد، ويأخذها باليد الأخرى عند حواف الموت الساكن في قاعه.
…وهيچذ …
Alsharq News الشرق نيوز