أين الخطأ في تسعيرة القمح؟
عبد الوهاب عاصي
أحد أبرز الأخطاء التي وقعت فيها وزارة الاقتصاد في تسعير القمح هو اعتماد المقارنة بالسعر العالمي كأساس للتسعير؛ ويبدو أن آلية تحديد سعر الشراء عند 340 دولاراً للطن تستند أساساً إلى تكلفة الاستيراد، مع إضافة هامش محدود جداً للفلاح المحلي. والمفارقة أن الاستيراد يتم بالدولار ويتضمن تكاليف تأمين وتجميد الأموال، بينما شراء القمح المحلي هو عملياً بيع مؤجل وبالعملة الوطنية.
في دولة مثل سوريا، لا يُفترض أن يكون شراء القمح من الفلاحين عملية تجارية ربحية، بل سياسة سيادية مرتبطة بحماية الأمن الغذائي الوطني. لذلك، فإن معيار التسعير الحقيقي ليس السعر العالمي، بل السعر القادر على إبقاء الفلاح في أرضه وتحفيزه على زراعة الموسم القادم.
سوريا تواجه خطر تدهور القطاع الزراعي وتهديد الأمن الغذائي، فسعر 340 دولاراً يضع الزراعة عند حافة الخسارة لأصحاب الأرض المروية، وفي قلب الخسارة لمستأجري الأرض ولزراعة البعل. وحين تصبح الزراعة غير مجدية، يُخرج الفلاح أرضه من الإنتاج،. وهذا ما حدث في العراق، وما ستمضي إليه سوريا إن استمر هذا النهج. وبالمناسبة، العراق رفع سعر شراء الطن لموسم 2026 إلى 620 دولاراً، وهو ضعف السعر العالمي تقريباً، وبذلك تحمّلت الدولة خسائر بملايين الدولارات، لأنها أدركت أن تدهور الزراعة بات يهدد الأمن الغذائي.
خطأ ثانٍ لا يقل أهمية، الدولة ألغت الدعم عن الخبز والطحين فانسحبت من جانب الاستهلاك، لكنها في الوقت ذاته تشتري القمح من الفلاح بسعر مخفض كأنها ما تزال تدعم الطحين، فتدخّلت في جانب الإنتاج. وبالنتيجة، يبيع الفلاح قمحه للدولة بسعر الدعم، بينما المواطن يشتري الخبز بسعر السوق، والفارق بين السعرين لم يعد يذهب لا للفلاح كحافز ولا للمواطن كدعم، بل يتحول إلى إيراد للدولة أو هامش تجاري للوسطاء.
هذا الخطأ يكشف ارتباكاً في النهج الاقتصادي الذي تعمل وفقه الحكومة؛ إذ لم يتضح بعد ما إذا كانت الدولة تتبنى سياسة دعم للقطاعات الإنتاجية، أم تتجه نحو الانسحاب الكامل وترك السوق يعمل بحرية.
خطأ ثالث يتمثل في غياب الدعم الفعّال لمدخلات الإنتاج الزراعي، بخلاف ما كان قائماً قبل عام 2025؛ إذ لا يوجد حالياً دعم حقيقي للمازوت الزراعي أو الأسمدة أو البذار. وحتى بالمقارنة مع المراحل السابقة، كان نظام الأسد يدعم المازوت الزراعي ويوزع الأسمدة عبر المصرف الزراعي بأسعار مدعومة ويمنح قروضاً موسمية، كما أن الإدارة الذاتية الكردية قبل تفككها كانت تشتري الطن بنحو 420 دولاراً (350 دولاراً كسعر شراء و70 دولاراً دعماً مباشراً)، إضافة إلى توفير مازوت الحصادات والبذار بأسعار مدعومة.
هذا لا يعني أن الحكومة السورية حالياً لم تُحقق خطوات إيجابية في الملف الزراعي؛ فهناك جهود معلنة لتوسيع مراكز الاستلام إلى 37 مركزاً، وتأمين تمويل للمؤسسة السورية للحبوب، والإعداد لقروض حسنة للمزارعين، إلى جانب اعتماد أصناف قمح مقاومة للجفاف.
لكن حجم الخلل في سياسة التسعير ومنظومة الدعم ما يزال قادراً على ابتلاع معظم هذه الإنجازات وتقويض أثرها على المدى المتوسط.
Alsharq News الشرق نيوز