كيف تنتج دولة حقيقية بعد كل هذا الخراب ؟
غياث الضللي الجنابي
عشتُ سنواتٍ وأنا أحمل في داخلي شخصيتين تبدوان متناقضتين، لكنهما في الحقيقة كانتا تعبّران عن صراع عميق بين الإيمان بالمرجعية، والرغبة في الحرية والعدل.الشخصية الأولى كانت شخصية الشاب الملتزم، المتأثر بالمنهج السلفي، المؤمن بالنصوص الغيبية، والذي يقرأ الواقع من خلال المرويات والآثار، ويربط الأحداث الجارية بما يظنه مقدمات لتحولات كبرى في الأمة. كنتُ أبحث عن نموذج حكم إسلامي عادل، يشبه ما نقرأه عن الخلافة الراشدة في صورتها المثالية، ولذلك رأيتُ في الثورة السورية لحظة مفصلية، وبداية محتملة لتغيير تاريخي واسع.أما الشخصية الثانية، فكانت شخصية الثائر الذي يرفض الاستبداد بطبيعته، ويرفض احتكار السلطة، ويؤمن أن أي حكم لا يقوم على مشاركة الناس، والتداول السلمي للسلطة، وخضوع الحاكم للمحاسبة، هو حكم ناقص وظالم مهما كانت شعاراته. كنتُ أرى أن الإنسان لا يُكرَّم إلا حين يكون شريكًا في تقرير مصيره، وأن المجتمعات لا تنهض بالقهر.المفارقة أنني، من منطلقاتي الدينية الأولى، كنتُ أرفض الديمقراطية وأعتبرها نظامًا بشريًا يصادم التصور الإسلامي للحكم. لكن من منطلقاتي الثورية، كنتُ أراها أداة واقعية لكسر الاستبداد، ومرحلة انتقالية يمكن من خلالها فتح المجال العام، وإعطاء الناس حق الاختيار، ثم التنافس الحر على المشاريع والأفكار، ومنها المشروع الإسلامي نفسه.وهكذا كنتُ ممزقًا بين عقل يريد المثال، وواقع يفرض الممكن. بين من يحلم بالنظام الكامل، ومن يعرف أن الطريق إلى أي إصلاح يمر أولًا عبر الحرية. بين من يطلب الشرعية من النص، ومن يطلبها من رضا الناس وعدالتهم.ومع الوقت بدأت أفهم أن التناقض لم يكن بين شخصيتين، بل بين مرحلتين من الوعي: مرحلة تبحث عن الحل الجاهز، ومرحلة تدرك أن الحكم الرشيد ليس اسم نظام فقط، بل منظومة قيم: عدل، مساءلة، كرامة، شراكة، ومنع للطغيان.ربما لم تكن مشكلتي أنني كنت شخصين، بل أنني كنت أحاول الجمع بين توق الإنسان إلى السماء، وحاجته إلى أرضٍ عادلة يعيش عليها.اليوم في سورية، لا يوجد نظام إسلامي كما حلم البعض، ولا نظام ديمقراطي كما طالب آخرون.ما يوجد فعليًا هو نظام حكم تشكّل من الحرب، وتوزع النفوذ، وتوازنات السلاح، وتدخلات الخارج، ومؤسسات منهكة، وشرعيات متنازعة.أي أن السؤال لم يعد: من انتصر فكريًا؟بل: كيف ننتج دولة حقيقية بعد كل هذا الخراب؟
Alsharq News الشرق نيوز