السويداء نموذج مختلف عن الساحل والتاريخ لا يُعذر من لا يقرأه جيداً
أحمد السالم
في البدء، نسأل الله أن يتقبل شهداء قوى الأمن والجيش العربي السوري والمدنيين المغدورين بواسع رحمته، وأن يمنّ على جرحاهم بالشفاء العاجل، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان. ثم نعود إلى ما جرى في السويداء، لا بوصفه حدثاً عابراً، بل كجرس إنذار تاريخي شديد اللهجة، لمن لا تزال أذنه تميل إلى النعاس السياسي، ولمن يظن أن الإدارة يمكن أن تُدار بعقلية مكررة وجامدة عفا عليها الزمن، وهي لم تحصد سوى الضعف والخسارات والانقسامات.
الحكومة السورية الجديدة، والتي لطالما أعلنت أنها قارئة جيدة للتاريخ، بدت في معركة السويداء كمن يقرأ الصفحة الخطأ في الكتاب الصحيح. في لحظة تتطلب حساً مرهفاً بالتناقضات المحلية وفهماً عميقاً لخصوصية الجغرافيا والعقيدة والانتماء، تعاملت مع المشهد وكأنه نسخة مكررة من تعاطيها مع ملف الساحل، متناسية أن السويداء ليست الساحل، والدروز ليسوا العلويين، ولا يمكن إسقاط تجربة على أخرى دون ارتكاب الخطيئة ذاتها التي وقعت بها أنظمة سابقة دفعت الثمن كاملاً، دون أن تفهم حتى كيف خسرت.
في تاريخنا الإسلامي، قامت الدولة العبيدية الباطنية – والتي نُسبت زوراً للخلافة – باجتياح دمشق، وأسقطت فيها الخطبة للعباسيين، كما أسقطت العقيدة من المسجد. لكنها لم تدم، ولم تستطع، رغم دهائها السياسي، أن تُبقي على الشام. استعادها المسلمون، ثم استعادوا مصر لاحقاً، وأزالوا حكم الباطنية من الجذر. وكان سرّ النصر لا في السيف وحده، بل في القراءة الصحيحة للواقع، وتمييز العقائد، والاعتماد على الصف الوطني الداخلي لا على وعود الدعم الخارجي أو ابتسامات موائد التفاوض.
اليوم، يعيد التاريخ نفسه، ولكن بوجوه جديدة. الكيان المحتل، الذي يزعم حرصه على السويداء وأبنائها، ليس صديقاً للدروز، ولا عدواً للبدو، بل صديق دائم لمصالحه، وعدو دائم لوحدة سوريا. رهانه على الدروز دون غيرهم ليس نابعاً من حب ولا ولاء، بل لأن الدروز – حتى غير المتدينين منهم – يحملون في لا وعيهم عقيدة وولاءاً طائفياً راسخاً، بينما العلويون كمثال، بفعل عقود من الانحرافات العقدية والفكرية، لا يملكون اليوم عقيدة دينية صلبة، وبعضهم انزلق نحو الإلحاد، فتجد الكثير منهم باعوا قادتهم قبل السقوط.
إن أحد أبرز أسباب الفشل في التعاطي مع ملف السويداء، هو أن الحكومة لجأت إلى نسخ التجربة الساحلية بحذافيرها، وتوهمت أن القوالب القديمة تصلح لكل الأمكنة. ما جرى هناك لا يُسحب على الجبل. في الساحل مجتمع هش الولاء، مفكك العقيدة، متخم بالمحسوبيات والانقسامات. أما في الجبل، فحتى التمرد منظم، وحتى التيار المدني مغلف بلحاف الانتماء الطائفي. لا يقاتل الدروز على أجساد الأفراد فقط، بل على ذمة الطائفة وتاريخها.
وفوق ذلك كله، فإن الدعم العربي والإقليمي للحكومة السورية الجديدة، على ما فيه من عبارات منمقة ولقاءات ملونة، لا يتجاوز كونه صورياً وشكلياً. لا يكفي أن نقول إنه دعم صوري، بل يجب التعامل مع كل تحالف إقليمي بوصفه تحالفاً مؤقتاً، تحكمه المصالح لا المبادئ، ويجب بناء السياسات عليه بقدر من الحذر والواقعية لا الغفلة والتمني. لا تنخدعوا بالأحضان والابتسامات، فهي غالباً مقدمة لطعنات في الظهر. ومعركة السويداء كشفت هذا الضعف دون رتوش. كشفت خللاً بنيوياً فادحاً في المؤسستين العسكرية والأمنية، وتهافتاً في الأداء الإعلامي الرسمي، الذي بدا عاجزاً عن صياغة رواية موحدة مقنعة، وعاجزاً عن مخاطبة أبناء الجبل بلغتهم، لا بلغة البيانات التقليدية، كما كشفت انعدام التنسيق بين الدوائر المسؤولة، وهو ما يستوجب مراجعة لا تعرف المجاملة، ولا تؤمن بالرتق فوق الخراب.
وفي قلب هذه المراجعة، لا بد من التوقف بجدية عند الأداء العسكري ذاته، فالخسائر التي وقعت لم تكن فقط بفعل تماسك الخصم، بل أيضاً بسبب سوء التقدير الميداني، وضعف استخبارات ما قبل المعركة، وعدم جهوزية بعض الوحدات التي أُرسلت دون غطاء واضح أو مهمة محددة. المؤسسة العسكرية، التي يجب أن تكون عماد الدولة، بحاجة اليوم إلى إعادة ضبط وترميم في بُناها التنظيمية، وتأهيل نفسي ومعنوي لعناصرها، وإعادة ترتيب أولوياتها ضمن عقيدة وطنية جامعة، لا عقيدة مناطقية أو رد فعلية.
ليس هذا وقت المكابرة. خسارة جولة لا يعني خسارة المعركة. التحديات لن تُحل بالأدوات ذاتها التي أثبتت فشلها. إن كانت الحكومة السورية الجديدة تبحث عن حلٍّ، فعليها أن تدعم القسم الوطني من أبناء السويداء، خاصة أولئك الذين وقفوا مع الثورة السورية العظيمة ولم يتزحزحوا قيد أُنملة، ولم يتورطوا بالدم، ولم يبيعوا قرارهم للخارج. كما يجب فرض قطيعة اقتصادية غير مباشرة مع المتمردين والمراوغين، وتضييق مسارات التمويل والدعم دون إعلان، وبهدوء يحفظ ما تبقى من هيبة الدولة.
أما التفاوض مع الكيان الصهيوني، فيجب أن يُجمَّد فوراً. لا لأننا رومانسيون أو نرفض الواقعية السياسية، بل لأن هذا الكيان يستخدم الملف السوري كأداة ضغط ويُراهن على استمرار الانقسام الداخلي لأنه ببساطة من مصلحته ألا تعود سوريا موحدة ولا مستقرة. راهن اليوم على الدروز لا حباً بهم، بل لأنهم يملكون ورقة الجغرافيا والعقيدة والحمية التي افتقدها العلويون في لحظة سقوط حكمهم البائد.
الحل لا يمر فقط من فوهة البندقية، بل من الحوار المجتمعي الحقيقي، وتفعيل دور الزعامات العشائرية والدينية الأصيلة، مع استغلال كل فرصة ممكنة لاستمالة التائهين بين المعسكرات، وخاصة من يشعرون بالخديعة من مشاريع الزعامة المؤقتة والمستأجرة.
في هذه اللحظة، نحن بحاجة إلى مبادرة وطنية جريئة ترتكز على ستة أعمدة صلبة كما ذكرها الكاتب والمحلل السياسي فراس العلاوي:
-
دعم السلطة الوطنية.
-
إطلاق حوار وطني جامع، يعيد ربط الشرق بالغرب، والجبل بالسهل.
-
محاسبة المجرمين من جميع الأطراف دون تمييز، فلا قداسة لأحد أمام دم الوطن.
-
إعادة النظر في كثير من التعيينات التي تكرّس الفشل وتعيد إنتاج الفساد.
-
إشراك كل السوريين في بناء الدولة، لا على قاعدة الطائفة أو الملة أو الجهة.
-
الإسراع في إطلاق ملف العدالة الانتقالية، فهو الباب الوحيد لتصفية المظالم وتطهير الذاكرة.
لقد تهاوت كثير من الأقنعة، وانكشفت معادن زائفة لأولئك الذين كنا نظنهم شركاء في الوطن، فإذا بهم أول المتمردين. ولعل الدرس الأهم أن الدول لا تُبنى بالمسامحة وكأن شيئاً لم يحدث، ولا تُدار بالمحسوبيات والولاءات الضيقة، بل تُشيَّد على أسس الكفاءة، والنزاهة، والعدالة.
وفي الختام، نعم، الدولة السورية الجديدة ليست قادرة الآن على الإحاطة بجميع الملفات، وهذا أمر يمكن فهمه، لكن ما لا يُغتفر هو الاستمرار بعقلية “الدائرة الضيقة أو المحيط المألوف”، والتغاضي عن الكفاءات الثورية الوطنية الحقيقية التي تقف خلف وحدة واستقرار ونهوض دولتها.
إذا ما تخلت الحكومة الحالية عن غرور التاريخ الزائف، وأشركت القوى الثورية المؤمنة بوحدة سوريا، فستجد حلولاً لم تكن لتخطر ببالها حتى بعد عشر سنين.
ومن لا يقرأ التاريخ، لا يُعذر حين يسقط فيه، ومن يكرر أدوات الماضي، لن يصنع مستقبلاً
ومن لم يفهم بعد، فليتأمل سقوط دمشق على يد العُبيديين، وليتذكّر كيف استردها من قرأ التاريخ حقاً، لا من قرأ عنوانه فقط.
Alsharq News الشرق نيوز