الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / مقال / الخروج من المأزق: حقائق لا بد من مواجهتها

الخروج من المأزق: حقائق لا بد من مواجهتها

الخروج من المأزق: حقائق لا بد من مواجهتها

 

فراس علاوي

 

تمرّ سوريا اليوم بواحدة من أكثر لحظاتها حساسية وتعقيداً منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لحظة اختلاط التحولات السياسية بالحسابات الفئوية الضيقة، وتغيب فيها الرؤى الاستراتيجية الشاملة لصالح ردود الفعل الآنية. في ظل هذا المشهد المرتبك، هناك جملة من الحقائق التي يجب الاعتراف بها ومواجهتها بجرأة، ليس فقط لتجاوز المأزق الحالي، بل لضمان عدم الوقوع في مآزق أخرى مستقبلاً.

 

قوة الدولة على المحك

لا يمكن إنكار أن الدولة السورية تعاني من هشاشة بنيوية عميقة، تجعل استقرارها أقرب إلى التوازن المؤقت منه إلى الاستقرار الحقيقي. هذه الدولة لا يمكن أن تؤدي دورها ما لم تحظَ بدعم كتلة وطنية صلبة، تؤمن بوحدة الدولة ومشروعها، بعيداً عن الاصطفافات الفئوية والطائفية والمناطقية. دولة تكون لكل السوريين، لا لطرف دون آخر.

 

انقسام المجتمع السوري بعمق

المجتمع السوري لا يواجه فقط فجوة بين السلطة والمجتمع، بل يعيش حالة تفكك داخلي متسعة، تشمل حتى مكونات الثورة والمعارضة. إن ردم هذه الفجوات لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. وأبناء ثورة 2011 هم وحدهم القادرون على حمل هذه المهمة التاريخية، لأنهم يحملون شرعية التغيير ومسؤولية إعادة بناء الثقة الوطنية.

 

  فقدان البوصلة

انزلقت شرائح واسعة من النخب السورية نحو تغليب مصالحها الفردية أو الحزبية، واستخدمت سرديات جاهزة لتبرير مواقعها وامتيازاتها. هذه النخب لا تقتصر على طرف بعينه، بل هي حاضرة في مختلف الاتجاهات السياسية، وتتراوح بين الفجّ في مواقفه، والمراوغ في مبرراته. آن الأوان لوضع حد لهذا الانحدار، عبر المساءلة والمكاشفة.

 

 صعود الشعبوية وتآكل الخطاب العقلاني

تسود الفضاء العام حالة من الشعبوية الصاخبة، التي لا تخدم سوى مزيد من التأزيم والاستقطاب. هذه الحالة، التي بدأت تخرج عن السيطرة، تشكّل تهديداً للدولة والسلطة على حد سواء. من المرجّح أن تسعى السلطة في المرحلة المقبلة إلى احتواء هذه الموجة، بعد أن أدركت – أو ستدرك – خطرها البنيوي عليها.

 

 الحديث عن عقد اجتماعي جديد بلا أرضية

أي حديث راهن عن عقد اجتماعي جديد يبدو سابقاً لأوانه، بل هو أشبه بحديث في الهواء. فما لم تُبْنَ ثقة حقيقية بين السلطة والمجتمع، وبين الأطراف الوطنية المختلفة، فإن أي محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن ستظل حبراً على ورق. تفجر الأوضاع عند أول اختلاف سيكون حينها هو القاعدة لا الاستثناء.

 

مراجعات السلطة… ضرورة لا مخرج منها

من المرتقب أن تشهد السلطة مراجعات على أكثر من صعيد خلال المرحلة المقبلة. لكن قيمة هذه المراجعات تُقاس بمدى جديتها، ومرجعيتها. مراجعات شكلية أو انتقائية ستؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، لا تفكيكها. المطلوب مراجعة صادقة، مرجعها القانون والسيادة، لا التوازنات الأمنية أو الولاءات الضيقة.

 

الاستقرار السياسي يبدأ بالحريات

إذا لم تسارع السلطة إلى فتح الباب أمام تسوية سياسية حقيقية، تعيد الاعتبار للحريات العامة، وخصوصاً الحريات السياسية، فإن الصراع سيبقى أسير دوامة الفعل ورد الفعل. لا استقرار بلا انفتاح، ولا شرعية دائمة دون مشاركة واسعة وفعالة في القرار.

 

 التعيينات وترتيب الأولويات

لا يمكن الاستمرار في سياسات التعيين الحالية أو الانتماءات الضيقة. إعادة ترتيب الأولويات، وفتح الباب أمام الكفاءات، من شأنه تخفيف الاحتقان المجتمعي، وبناء جسور ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وهي ثقة مفقودة منذ سنوات طويلة.

 

 

 لحظة أدرينالين… لا أكثر

ما نعيشه اليوم من حراك وضغط واستقطاب، هو حالة مؤقتة، أشبه باندفاع الأدرينالين في الجسد بعد الصدمة. لكنها حالة غير قابلة للاستمرار، وسرعان ما ستتراجع. السؤال: من يملأ الفراغ بعدها؟ لا بد أن يكون البديل وجود دولة قوية، وسلطة رشيدة، ومؤسسات حقيقية تمارس دورها في إدارة الشأن العام، لا في إدارة الأزمة فقط ويكون ذلك من خلال دعم السلطة الحالية ودفعها لاجراء اعادة قراءة للواقع السوري والابتعاد عن الاخطاء وتفاديها مستقبلاً.

شاهد أيضاً

مشاهد من العودة إلى سوريا،ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء

مشاهد من العودة إلى سوريا… ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء إعداد: هناء محمد درويش يقدّم الفيلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *