قصة قصيرة
حسن محمد العمير
كان الليلُ في دير الزور يُشبه سفينةً مكسورةً على ضفة الفرات.البيوتُ نصفها واقفٌ، ونصفها الآخرُ يتذكّر كيف كان واقفاً.
وكان سالم يمشي تحت أعمدة الكهرباء المطفأة كأنه يمشي داخل قصيدةٍ قديمة نسيَ شاعرُها النهاية.منذ سنوات، وهو يشعر أن صوته صار يحمل أكثر من مدينة.حين يغضب، تنفلت من لسانه لهجةٌ ديرية ثقيلة بالحزن،وحين يلين قلبه، يتكلم مثل أهل حلب الشرقيةفاللهجتان كانتا تتشابهان كتشابه ضفّتَي الفرات،
حتى العادات والضحكات ورائحة الخبز وأغاني السهر… كلها كانت تشعره أن المدن الشرقية عائلةٌ واحدة مهما فرّقتها الحرب.كان يقول دائماً:”الفرات مو نهر… الفرات هوية”
لكن الفرات نفسه بدا غريباً تلك الليلة.الماء قليل،والريح تحمل رائحة بارودٍ قديم،كأن الثورة السورية ما زالت معلّقة في الهواء ولم تنتهِ بعد.دخل سالم إلى بيت مهجورفي الداخل صورة ممزقة لشاب يحمل علم الثورة،وبجانبها “جمدانة حمره” قديمة من أيام مظاهرات حلب الشرقية.
جلس قرب النافذة.وتذكّر.تذكّر حيّ الصاخور حين كانت المظاهرات تخرج بعد صلاة الجمعة،والشباب يهتفون بأصواتٍ مرتجفة لكن مليئة بالحياة:“واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد.”وتذكّر مدينة مارع ،وصلاح الدين،وطريق الباب،حين كانت الحناجر أعلى من الرصاص.كان يرى بأهل حلب الشرقية ، أهل دير الزور ،بعفويتهم، بكلامهم السريع، بكرمهم، وحتى بطريقة الحزن.كلهم كانوا يظنون أن البلاد ستنهض بسرعة،لكن البلاد تعبت أكثر منهم.في الطابق العلوي كانت ليان نائمة.نجت من الحصار، لكنها خرجت من الحرب كأنها تحمل مدينةً كاملة فوق قلبها.وكان سالم يحبها بصمتٍ يشبه الخراب.حين تنام، يشعر أن العالم يهدأ قليلاً،كأن الحرب تخجل من الاقتراب من سريرها.
اقترب من الشرفة، المدينة ساكنة،حتى الكلاب المتشردة بدت متعبة من العواء.ومن بيتٍ بعيد، خرج صوت حميد منصور“ويهّ الرايح ويهّ الجاي ابعث سلامات…”فأغمض سالم عينيه.
شعر أن الناس في هذه البلاد صاروا كلهم يرسلون السلامات لبعضهم،النازح للغايب،والمعتقل لاسمه القديم،والأم لابنها الذي لم يعد.ثم تبعها الصوت:“حبك يطيب غناي تحلى المواويل…”فابتسم بحزن.حتى المواويل هنا كانت تشبه سورية،مكسورة… لكنها لا تتوقف عن الغناء.همس لنفسه باللهجة الديرية:” شكون اسوي بكل هالليل؟ “وفجأة تذكّر “حمد”…الذي كان يردّد دائماً قصيدة الريل بصوتٍ متعب، وبصيغة مختلفة كأنها كُتبت لأجله.“بالطيف اجانه حمدمرنه بتوالي الليل…”كان سالم يشعر أن حمد ليس رجلاً واحداً،بل صورة كل السوريين الذين انتظروا قطار العودة ولم يصل.الريل في القصيدة لم يكن قطاراً فقط،كان العمر الذي مرّ مسرعاً،والمدن التي غادرت أهلها،والأحبة الذين تأخروا حتى صار الرجوع مستحيلاً.وحين كان يسمع:“مسافرين وعيني مشدودة لدربكم”كان يتذكّر المظاهرات الأولى،حين كان الجميع يظن أن البلاد ستعود كما كانت بعد شهور قليلة.لكن الريل طال غيابه.في البعيد ارتفع صوت أذانٍ خافت من جامع نصف مهدّم،وامتزج الصوت مع خرير الماء الضعيف،فشعر سالم أن سورية كلها تمرّ داخله:دير الزور، حلب، الرقة، وإدلب…بلهجاتها المختلفة، بحزنها، وبناسها الذين ما زالوا يحاولون النجاة.استدار نحو الباب.كانت ليان قد استيقظت.وقفت بصمت، بشعرٍ منكسر على كتفيها، كأن الليل خرج معها من الحلم.قالت له: لساتك صاحي؟ابتسم للمرة الأولى منذ زمن، وقال:”أخاف أنام… ويمرّ الريل وما أنتبهلو.”اقتربت منه ببطء، ثم وضعت يدها على كتفه وقالت:”الحكايات ما بتموت إذا ضل حدا يتذكر”
في تلك اللحظة،شعر سالم أن الفرات عاد يجري داخله،ليس نهراً من ماء،بل نهراً من أصوات الناس،من لهجات السوريين،من المواويل القديمة،ومن الحالمين بوطنٍ لا يُهان فيه الإنسان.وخارج البيت،كان الفجر يتسلل ببطء فوق المدينة المتعبة،وكأن سورية نفسها، بعد نومٍ طويل،تحاول أن تستيقظ.
Alsharq News الشرق نيوز