الأحد , يونيو 14 2026
الرئيسية / تحقيق صحفي / داخل مكتب الرئيس 8

داخل مكتب الرئيس 8

داخل مكتب الرئيس (الجزء الثامن)

بقلم الكاتب: سامر حبيب

تنويه وإخلاء مسؤولية: إن الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية تجاه ما ورد في هذا المقال من آراء، أو معلومات، أو سرد لوقائع تاريخية؛ حيث إن المقال يعبر حصراً عن وجهة نظر كاتبه الأصلي ومقاربته للأحداث.

ونشير إلى أنه قد جرت إعادة صياغة هذا المقال باللغة العربية الفصحى وتدقيقه لغوياً بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ التام على المضمون والمعنى السياقي الأصلي دون أي تغيير.

تمهيد وتوضيح تاريخي

​يشير بعض الأصدقاء والمتابعين الكرام في تعليقاتهم إلى أننا قد وصلنا إلى المنشور السابع دون أن نلج مباشرة في تفاصيل ما يحدث حقيقة داخل مكتب الرئيس. وإنني إذ أتفهم تماماً هذا الشغف الكبير والتطلع لمعرفة خفايا بعض الأحداث المحورية، وكيفية اتخاذ القرارات المصيرية، وإلى أي نتائج ومآلات أوصلت البلاد؛ فإن هناك في المقابل قطاعاً واسعاً من المتابعين لا يلمّون بالحيثيات التاريخية والمعطيات السياسية التي مهدت لوصول الأسد إلى سدة السلطة.

​فضلاً عن ذلك، فإن ثمة أسماءً شخصية ستتردد معنا بصورة متكررة ومستمرة لأننا بصدد الحديث عن حقبة زمنية طويلة وممتدة؛ ولهذا السبب تحديداً، نقوم بشرح وتفكيك بعض المعطيات والركائز الأساسية للفترة التي سبقت تولي الأسد مقاليد الحكم، ونُعرّف بأبرز الشخصيات الفاعلة وأدوارها المحورية، حتى لا نضطر لإعادة الشرح والتفسير الهامشي في كل منشور جديد.

فلسفة الرقابة وبنية الأجهزة الأمنية

​إن عملية مراقبة مؤسسة الجيش، ومتابعة الحزب الحاكم، وضبط الشعب، ورصد تحركات المعارضة، فضلاً عن مراقبة دول الجوار وكل شاردة وواردة في الدولة، هي مهمة هائلة بالغة التعقيد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينهض بها جهاز أمني واحد بمفرده.

​في غالبية دول العالم، يرتكز البناء الاستخباراتي والأمني على جهازين رئيسيين: الأول هو جهاز “أمن الدولة” الذي يتولى المسؤولية الأساسية عن مكافحة الإرهاب، ودرء أي تهديد يمس كيان الدولة ووجودها، وحماية المقرات الدولية والبعثات الدبلوماسية والسفارات، فضلاً عن القيام بأعمال التجسس لصالح الدولة وإحباط شبكات التجسس المعادية. أما الجهاز الثاني فهو “المخابرات العسكرية”، وتتلخص مهمتها في رفد القوات المسلحة بالمعلومات الحيوية كافة المتعلقة بأي مؤامرة عسكرية داخلية، أو محاولات انقلابية، أو تآمر بين الضباط، إلى جانب توفير البيانات الاستخباراتية الشاملة حول العدو وقدراته التسليحية والقتالية.

​وهذان الجهازان متواجدان بالفعل في الدولة السورية، ولكن بصلاحيات ونفوذ يختلفان جملة وتفصيلاً عن سائر دول العالم. وهنا نجد أن جهاز “الأمن السياسي” كان مجرد فرع اعتيادي يتبع لوزارة الداخلية حتى عام 2002؛ وحينما جرى استدعاء اللواء غازي كنعان من لبنان، وقبل أن يتولى رسمياً حقيبة وزارة الداخلية، كُلف بمهمة إستراتيجية تمثلت في تحويل هذا الفرع إلى شعبة مستقلة سُميت “شعبة الأمن السياسي”، وأصبح يتبع لها فروع ممتدة في مختلف المحافظات السورية بعد أن كانت مجرد أقسام صغيرة محدودة التأثير.

المخابرات الجوية: الابتكار والنفوذ الحصري

​أما الابتكار الأمني الأبرز فكان تأسيس جهاز “المخابرات الجوية”. وقد أُنشئ هذا الجهاز على وجه التحديد لسببين جوهريين:

  • الأول: يعود إلى أن حجم سلاح الجو وقوى الدفاع الجوي داخل الجيش السوري يمثل النسبة الأكبر والأضخم من حيث عدد الضباط، والثكنات العسكرية، والملاك العام؛ وهي بنية ضخمة تستلزم إدارة أمنية متخصصة ومستقلة، فضلاً عن الرغبة في تخفيف العبء والضغط عن جهاز المخابرات العسكرية، وحظر حصر مهمة مراقبة الجيش بأكمله في جهة أمنية واحدة لاعتبارات واستراتيجيات أمنية بحتة.
  • الثاني: يكمن في أن هذا القطاع الحيوي من الجيش (سلاح الجو) هو الاختصاص العسكري الأصيل لحافظ الأسد نفسه؛ ومن ثمَّ أراد أن يكون لقطاعه جهة أمنية مخصصة تقع مباشرة تحت إمرته الشخصية، وتتمتع بنفوذ واسع يعكس سطوته وقوته وهيمنته المطلقة.

عقيدة التنافس والتحكم بالخوف

​لقد تعاملت هذه الأجهزة الأربعة مع بعضها البعض وكأنها كيانات معادية، وهذه في الواقع كانت الفكرة العبقرية والجهنمية لحافظ الأسد؛ إذ تعمد ألا يكون بين هذه الأجهزة أي قاسم مشترك أو رابط يجمعها، سوى أنها تتلقى الأوامر والنواهي من مكتب واحد لا غير وهو (مكتب الرئيس). وبهذه الطريقة، استحال على هذه الأجهزة أن تلتئم أو تندمج في مؤامرة مشتركة ضده، بل على النقيض من ذلك، انخرطت في سباق محموم وتنافس شرس لاسترضائه، وبذلت الغالي والنفيس لخطب وده وإثبات الولاء المطلق له، طمعاً في توسيع صلاحياتها وحيازة الترقيات والمكافآت المادية والمعنوية.

​بناءً على ذلك، أصبحت الأجهزة الأمنية تترصد بعضها البعض، وتراقب نفسها من الداخل، وتفرض رقابة صارمة على الجيش، والحزب، والشعب، وكل مفاصل الحياة. ومع إطلاق يدها ومنحها صلاحيات استثنائية واسعة وغير مشروطة، تحول الخوف من هذه الأجهزة إلى هاجس مرضي يجثم على صدر الدولة والمجتمع.

​فالقاعدة الاستبدادية هنا واضحة: “من يُخِفك يحكمك”. وهذا تماماً ما سعى إليه الأسد؛ الحكم من خلال تسييد منظومة الخوف، لأن الخوف في عقيدة النظام هو المرادف الفعلي للولاء. فإن لم توالِ الأسد حباً وطواعية، فستواليه رغماً عنك خوفاً ورهبة. وإذا ما لمعت في رأسك فكرة عابرة، ستجد نفسك تلتفت حولك ذعراً، ولن تجرؤ على البوح بها لأقرب الناس إليك، لأن العملاء والجواسيس مبثوثون في كل مكان. وحتى إن تجرأت وبحت بها لأحد، فإن ذلك السقوط سيكون هو النتيجة المثالية التي تترصدها المنظومة وتتمناها تماماً.

مهندسو المنظومة الاستخبارية

​لقد هندس هذه المنظومة الاستخبارية المعقدة رجلان بارزان؛ صحيح أنه كان هناك من سبقهما ومن جاء بعدهما، إلا أن هذين الرجلين يمثلان العمود الفقري والركيزة الأساسية للمخابرات السورية بالشكل المتغول الذي عرفناه منذ نهاية السبعينات وحتى سقوط النظام… وهما: اللواء علي دوبا (يمين المنظومة) واللواء محمد الخولي (يسار المنظومة).

Screenshot

Screenshot

كيف بدأ الأسد في تفكيك وحلحلة المعضلات والمشاكل الشائكة التي واجهت خطوته الأولى في دخول المكتب الرئاسي، وفي مقدمتها معضلة “الدستور” الذي سيمنحه البقاء الطويل، والصلاحيات المطلقة، والشرعية الدينية؟… هذا ما سنتناوله بالتفصيل في المقال القادم.

يُتبع في المقال القادم…

شاهد أيضاً

داخل مكتب الرئيس 6

داخل مكتب الرئيس 6 سامر حبيب ​يوم تولّي الرئاسة: 12 آذار 1971​نحن في دمشق، يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *