مشاهد من العودة إلى سوريا…
ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء
إعداد: هناء محمد درويش
يقدّم الفيلم الوثائقي «مشاهد من العودة إلى سوريا – Notes sur un retour en Syrie» (2025) قراءة إنسانية حسّاسة لمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، من خلال توثيق لحظة العودة الأولى لزوجين سوريين أبعدتهما الحرب عن وطنهما لسنوات طويلة. الفيلم، الذي أخرجه الثنائي الفرنسي كاترين إستراد وفنسون كوماريه، يمتد لأكثر من ثمانين دقيقة، ويعتمد لغة سينمائية واقعية، خالية من التجميل أو الخطاب المباشر، قائمة على التسجيل الحيّ للمكان، والذاكرة، وردود الفعل الإنسانية العفوية.يبدأ الفيلم بعبارة يقولها الممثل والمخرج السوري محمد آل رشي: “سوريا ترحب بكم… ونحن نرحب بها”، جملة تختصر التناقض العاطفي الذي يرافق العودة إلى وطن تغيّر جذريًا، وطن يُستعاد بالشوق ويُواجَه بالصدمة في آن واحد. ترافق الكاميرا آل رشي وزوجته مريم رحيل خلال تنقلهما في مدن وبيوت وأحياء غادراها قسرًا، في محاولة لالتقاط ما لا تلتقطه التقارير الإخبارية: أثر الغياب الطويل، وثقل الذاكرة حين تصطدم بالواقع.منذ اللحظات الأولى، يظهر آل رشي بشخصيته الصريحة غير المصفّاة، يتحدث بلا أقنعة أو حسابات لغوية، وتخرج كلماته كما هي، بما فيها شتائم تلقائية حين يواجه دمار الأحياء التي نشأ فيها. هذا الإصرار على عدم تنميق اللغة يمنح الفيلم صدقًا مضاعفًا، ويحوّل التعبير الغاضب إلى شكل من أشكال التفريغ النفسي، يكشف حجم الانكسار الذي يعيشه العائد عند مواجهة أطلال حياته السابقة.تتنقل الكاميرا بين ضواحي دمشق المدمّرة، في جوبر والقابون ومخيم اليرموك، حيث البيوت بلا أسقف، والغرف بلا جدران، والشوارع فقدت معالمها الأساسية. لا موسيقى ترافق المشهد، ولا تعليق صوتي يوجّه المتلقي، بل صمت ثقيل لا تقطعه سوى خطوات العائدين. غير أن أقسى لحظات الفيلم تأتي خلال زيارة المقابر المدمّرة، حيث يقف آل رشي أمام قبور تحوّلت إلى أكوام من الحجارة، شواهد مكسورة، وأسماء اختفت تحت الركام، ليقول بصوت متهدّج: “إذا المقبرة راحت… وين راحوا أهل المقبرة؟”. في هذه اللحظة، يتحول الخراب من دمار مادي إلى اعتداء مباشر على الذاكرة والطمأنينة الروحية، ويظهر أن الحرب لم تكتفِ بتهجير الأحياء، بل طالت حتى موتاهم.يعتمد الفيلم بناءً بصريًا بسيطًا، من دون تدخل إخراجي فاقع، ويستند أساسًا إلى ردود الفعل الفورية للزوجين، حيث تُقرأ الصدمة على الوجوه قبل الكلمات. تنجح الكاميرا في التقاط لحظات الصمت، التردد، والانكسار، ومحاولات التماسك التي لا تصمد طويلًا. وتبرز مشاهد أخرى ذات دلالة، مثل زيارة الشقة التي غادرها الزوجان منذ سنوات، حيث يتنقل آل رشي بين الضحك والسخرية والغضب، في تذبذب عاطفي يعكس كيف يفتح المكان أبواب الذاكرة دفعة واحدة، مانحًا العمل صدقًا نادرًا في السينما الوثائقية.ورغم ثقل المشاهد، لا يغيب حضور الحياة عن الفيلم. بين لقطة وأخرى، تظهر أغصان خضراء تشقّ طريقها بين الركام، وأطفال يضحكون عابرين، ونساء يرددن أغانٍ قديمة تعيد للذاكرة شيئًا من الدفء، وبيوت متصدعة ما زالت نوافذها مضاءة بضوء خافت، كأن المكان يصرّ على إعلان بقائه. مع كل مشهد، تبدو الحياة وكأنها لا تنتظر إذنًا لتعود، بل تعرف طريقها جيدًا.في محصلته، يقدّم «مشاهد من العودة إلى سوريا» وثيقة سينمائية تتجاوز تسجيل الدمار، لتلامس سؤال الذاكرة والشفاء والقدرة على النهوض. فهو فيلم عن الألم، لكنه أيضًا عن الإمكانية، وعن إنسان يحاول أن يعيد تعريف علاقته بوطنه بعد كل ما فقده. وبين الذاكرة المثقلة والمستقبل المجهول، يترك الفيلم بابًا مفتوحًا لاحتمال استعادة ما ضاع، وبناء ما يمكن أن يكون أفضل، مهما بدا الطريق مثقلًا بالركام
Alsharq News الشرق نيوز