أنا وصورة السيراميك وماهر شتيوي وآنسة اللغة الألمانية
المعتز الخضر
في كورس اللغة الألمانية، اعتادت الآنسة أن تبدأ صباحنا بتمارين تنشيط العقل: كلمات متقاطعة، أو لغز سودوكو، أو مسألة رياضية خفيفة. ذلك الصباح، أنهيت الكلمات المتقاطعة قبل الجميع. نظرت إليّ مبتسمة وقالت:— Super!
ابتسمت وقلت بكل براءة:— نوع من السماد. الجمعية الفلاحية كانت توزّعه على المزارعين بدَهشة وحواكِمة شرق وغرب.اتسعت عيناها وقالت باستغراب:
— Was?
.
قلت:— سوبر يوريا… سماد!قهقهت وقالت:— لا لا! “سوبر” يعني ممتاز، مش سماد!ضحك الصف بأكمله، وقلت لها بمكر:— لحظة بس افتح القاموس وأرد عليك بالألمانية.كتبت لها مقطعاً طويلاً بالألمانية، رويت فيه كيف كنّا في الجيش نتلقى كل أسبوع مجلة جيش الشعب: صفحاتها الأولى مساحات مملوءة بخُطب الرئيس، وصفحتها الأخيرة مخصصة للكلمات المتقاطعة. كنتُ أتجاهل الهرطقات الرسمية وأقلب مباشرة إلى الألغاز؛ أحلّها، أمسح بباقي الصفحات طاولة المكتب، ثم أرميها في القمامة بعد أن أتأكد أن لا أحد يراني، لأنّ في بلادنا الجدران لها آذان وأعين.ضحكت الآنسة حتى احمر وجهها، وضحك معها الطلاب الألمان والأوكران والرومان والكازخ، وارتجّت القاعة بالضحك كما لو كان جبل بخشان نفسه يهتز من المرح. ثم قالت لي:— احكِ لي واحدة من قصصك العسكرية!ابتسمت وقلت لها:— طيب، خذي هالقصة…كنتُ أخدم في صحراء الفرقلس القاحلة، محاطاً بالعقارب والحيايا والرُّتيلات. مكتبي غرفة من طين وسقف من خشب فوقه شادر قماشي تخترقه الشقوق المغلقة بقطع نايلون مغموسة بشحم السيارات. كل شيءٍ على قدّ الحال، لكن كما يقول الهتاف الرسمي: «سوريا الله حاميها»، فليس من حاجة إلى مكتب حقيقي طالما الحناجر تهتف.في أحد الأعوام الكبيسة وزّعوا علينا صورة بانورامية «مقدسة» للقائد الملهم، مرسومة على قطعة سيراميك، وأُمِرنا أن نعلّقها في مكاتبنا. كانت الصورة واجباً وطنياً أكثر من كونها ديكوراً.وفي يومٍ من الأيام، بينما كنتُ أعمل على خريطة للعمليات القتالية بمساعدة الجندي ماهر شتيوي، سقطت فردة الحذاء على صورة السيراميك، فانكسرت إلى عشر شقف: منخاره شقفة، زلعومه شقفة، ورقبته شقفة.وحرف الثين شقفة.. تجمّدت مكاني، وقلبي بدأ يدق كما لو أني دهستُ لغمًا. و الأسوأ أن ماهر شتيوي رأى كل شيء.ركضت أجمع الشقف وأمسح الغبار بخرقة كانت معلقة على الحائط، خرقة كنت أمسح بها حذائي العسكري كل يوم.نظر ماهر إليّ وقال وهو يضحك بخبث:— سيدي، مو هاي الخرقة اللي تمسح فيها بوطك؟ خاف تكون وسخة!لعنتُ في قلبي اليوم الذي قُدر لي أن أراه. ثم قال:— شو رأيك نلزّق الصورة بألتيكو؟قلت:— ما بتنفع، تظل مبينة إنها مكسورة.أخفيتُ الشقف في درج المكتب أسبوعاً كاملاً. ثم قررتُ أخيراً أن أتخلّص من أثر الجريمة. وضعت الشقف في كيس نايلون بين أوراق الجرائد، وحملتها معي في طريق العودة إلى السكن. أثناء انتظاري الباص، توقفت سيارة ضابط الأمن، العقيد شنّبو، وقال لي بابتسامة مريبة:— اطلع بوصلك عالبيت.ركبت السيارة، والكيس على حجري. كل دقيقة كان يلمح الكيس بنظرة. لو سألني عمّا فيه، لكانت نهايتي بين نوبة قلبية أو جريمة قتل. نجوت بأعجوبة، وتحت ظلام الليل رميت الكيس في حاوية القمامة خلف المساكن.لكن ماهر شتيوي لم يتركني بحالي. كلما أراد إجازة، كان يقول أمام العساكر:— شو سيدي؟ ما بدنا نلزّق الصورة؟أقول له ببرود:— مبلى… روح اكتب طلب إجازة حتى تنزل تجيب ألتيكو.مرّت الأشهر وتسَرّح ماهر، لكن القلق بقي. كنت أخاف أن يفلت لسانه يوماً.عندما رويت القصة كاملة للآنسة الألمانية، وضعت يدها على فمها وقالت مدهوشة:— والله، أنت تستاهل حماية دولية وجنسية على الأقل!ابتسمت وقلت مازحاً:— الجنسية عطوها لناس، وهم ما شقفوا الرئيس ولا شقفة! أما الحماية الدولية… بدها شوارب يا آنسة.
وفي الصورة التذكارية التي التقطناها لاحقاً، أنا أقف أمام مكتبي الطيني، وعن يساري الملازم أول ابن القرداحة الذي طار بصاروخ مضاد للدروع أطلقه شباب قرية آبل، وورائي قائد الفصيلة ابن القدموس المتواري عن الأنظار. أمّا ماهر شتيوي؟ فليس في الصورة… لأنه ببساطة كان قد خرج في «مهمة وطنية» ليجلب ألتيكو

Alsharq News الشرق نيوز