“احتجاجات المغرب: ربيع مزهر أم خريف ممطر”
بقلم: أ. بلال محمد الشيخ _ سياسي سوري
2/أكتوبر/2025م
في نهاية سبتمبر 2025، عاد الشارع المغربي ليكتب فصله الخاص من التاريخ، لكن هذه المرة بلغة جديدة، وأدوات غير تقليدية، وبجيل لا يشبه من سبقه.
جيل “زد 212″، الذي خرج من رحم المنصات الرقمية، لا يرفع شعارات حزبية، ولا ينتظر إذنًا من المعارضة، بل يطالب بحقوقه بلغة بسيطة: “نريد مستشفيات، لا ملاعب”.
هذا الشعار، الذي انتشر كالنار في الهشيم، لا يعكس فقط أزمة قطاع الصحة، بل يكشف عن خلل بنيوي في أولويات الدولة، التي تضخ المليارات في تنظيم كأس العالم 2030 وكأس أمم إفريقيا، بينما تنهار البنى التحتية الأساسية، ويُترك المواطن في مواجهة العجز واللامبالاة.
الاحتجاجات التي اندلعت في الرباط، الدار البيضاء، وجدة، أكادير، ومراكش، ليست مجرد رد فعل على حادث عرضي، بل هي تراكم طويل من الإحباط، التهميش، وانعدام الثقة في المؤسسات.
جيل جديد قرر أن يخرج من الصمت، لا ليطالب بإسقاط النظام، بل ليعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بين الحق والواجب، وبين التنمية والكرامة.
لكن الدولة، التي لم تتعلم من حراك الريف 2016، ردّت بأسلوب مألوف: اعتقالات جماعية، تفريق بالقوة، اتهامات بالتحريض، وإغلاق الطرق.
أكثر من 60 معتقلًا خلال أيام، ومئات من الشباب مثلوا أمام النيابة العامة، في مشهد يعيد إنتاج منطق “الرد الأمني” بدل الحوار السياسي.
الاتحاد المغربي للشغل أكد أن “الحق في التظاهر السلمي مكسب دستوري لا يقبل المساس”، لكن السلطة اختارت أن تسمع صوت الهراوات بدل صوت العقل.
في المقابل، المعارضة اكتفت بالمراقبة والتصريحات، دون أن تنزل إلى الشارع أو تتبنى مطالب الشباب، وكأنها تعيش في زمن سياسي آخر، لا علاقة له بنبض المجتمع.
وهنا تبرز أزمة أعمق: غياب الوسيط السياسي القادر على ترجمة الغضب الشعبي إلى مشروع إصلاحي، وغياب القيادة التي تستطيع أن توازن بين الاحتجاج والاقتراح.
السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم ليس فقط عن شرعية المطالب، بل عن مستقبل هذه الحركة.
هل تتحول إلى ربيع مزهر، يعيد ترتيب أولويات الدولة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد؟
أم تغرق في خريف ممطر، تُكسر فيه الأحلام تحت وطأة القمع، وتُدفن فيه الآمال في زنازين النسيان؟
التاريخ يعلمنا أن الرياح لا تتوقف إلا إذا سكن الناس، وأن التغيير لا يُستورد، بل يُصنع من الشوارع، من لحظة مواجهة بين الحلم والواقع.
جيل “زد 212” لا يطلب المستحيل، بل يطالب بما هو دستوري، إنساني، ووطني.
وإذا استمرت الدولة في تجاهل هذه الرسائل، فإنها لا تقتل حركة، بل تقتل الثقة، وتفتح الباب أمام موجات غضب أكثر حدة، وأقل سلمية.
المغرب اليوم على مفترق طرق.
إما أن يصغي لصوت العقل، ويعيد ترتيب أولوياته، أو يستمر في طريق الإنكار، حتى تأتي لحظة لا ينفع فيها القمع ولا التبرير.
فهل يكون هذا الحراك بداية ربيع مزهر، أم خريفًا ممطرًا يغرق في القمع؟
الإجابة ليست في يد السلطة وحدها، بل في يد الشارع، وفي قدرة الشباب على الصمود، التنظيم، والحفاظ على سلمية الحلم.
Alsharq News الشرق نيوز
https://shorturl.fm/kBHcg
https://shorturl.fm/BzJgr