الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / مقال / إعادة تدوير العمائم: حين يُستأنف النفاق باسم الدين

إعادة تدوير العمائم: حين يُستأنف النفاق باسم الدين

إعادة تدوير العمائم: حين يُستأنف النفاق باسم الدين

 

بقلم: أ. بلال محمد الشيخ _سياسي سوري 

25/سبتمبر/2025 م

 

في لحظةٍ تتطلب مراجعةً جذريةً لكل ما جرى، يخرج علينا بعض رموز المؤسسة الدينية الرسمية، ممن وقفوا في صف النظام المجرم، ليبدأوا تاريخًا جديدًا من النفاق، لا من التوبة.  

تاريخٌ يُعاد فيه تدوير الخطاب، وتلميع الوجوه، وتوظيف العمامة من جديد، لا لخدمة الحق، بل لحماية المصالح، وتحصين المواقع، وتبرير الماضي باسم “المرحلة”، و”الاجتهاد”، و”الوحدة الوطنية”.

 

_ من التبرير إلى التلميع: دورة النفاق المتجددة: 

 

لقد شهدنا في سنوات الثورة كيف تحوّلت المنابر إلى أدوات تبرير للقتل، وكيف سُخّر الخطاب الديني لتكريس الطاعة العمياء، وشيطنة الحراك الشعبي، وتجريم المطالبة بالكرامة.  

واليوم، بعد أن تغيّرت المعادلات، لا نرى مراجعةً صادقة، ولا اعتذارًا علنيًا، بل نرى إعادة تدويرٍ ممنهجٍ لرموزٍ دينيةٍ كانت جزءًا من آلة القمع، لتُقدَّم من جديد كـ”علماء وسط”، أو “وجوه جامعة”، أو “صوت العقل”، وكأن الدماء التي سُفكت كانت هامشًا في دفتر السياسة.

 

ومما يُثير القلق ليس فقط عودة هذه الرموز، بل الطريقة التي يُستغل بها أبناء الجماعة والمذهب للدفاع عنهم.  

حين يُنتقد موقف أحدهم، يُستدعى الولاء الطائفي، وتُحرّك العاطفة المذهبية، ويُقال إن الهجوم عليه هو “هجوم على الدين”، أو “استهداف للهوية”، وكأن العمامة صارت حصنًا سياسيًا لا رمزيةً أخلاقية.

 

هذا الاستغلال يُحوّل الجماعة إلى درعٍ بشريٍّ لحماية الشيخ، ويُحوّل المذهب إلى أداةٍ لتبرير التواطؤ، ويُكرّس الانقسام، ويُعيد إنتاج منطق الطاعة لا منطق الرسالة.

 

_ لا توبة ولا مراجعة… بل تسلّق جديد: 

 

من المفترض أن يكون أول شروط العودة إلى الساحة هو الاعتراف بالخطأ، وتحمّل المسؤولية، والاعتذار العلني، والمراجعة الفكرية.  

لكن ما نراه هو العكس:  

– عودة إلى المنابر دون مساءلة.  

– ظهور في المؤتمرات والهيئات دون مراجعة.  

– تقديم النفس كـ”صوت جامع” دون الاعتراف بالانحياز السابق للقاتل.

 

إن هذا السلوك لا يُمثّل اجتهادًا، بل يُمثّل تسلّقًا جديدًا على جراح الناس، واستئنافًا للنفاق، وتكريسًا لثقافة الإفلات من المحاسبة.

 

_ نحو خطاب ديني جديد: لا يُساوم ولا يُهادن: 

 

إننا بحاجة إلى خطاب ديني جديد، لا يُهادن، ولا يُساوم، ولا يُبرّر.  

خطاب يُعيد تعريف المرجعية الدينية على أساس من الصدق، والعدل، والكرامة، لا على أساس الموقع، واللباس، والانتماء.  

خطاب يُنصف الشهداء، ويُدين النفاق، ويُعيد بناء الثقة بين الناس والدين، بعد أن تلوّث المنبر، وتدنّست العمامة، وتحوّل الخطاب إلى أداةٍ في يد السلطة.

 

خاتمة: لا إصلاح دون تطهير

 

إن إعادة تدوير رموز النظام البائد الدينية دون مراجعة أو مساءلة، هو استمرارٌ للانحراف، لا بدايةٌ للإصلاح.  

وإن استغلال الجماعة والمذهب لحماية المتسلّقين، هو خيانةٌ للرسالة، لا وفاءٌ لها.  

وإن تطهير المنبر، ومحاسبة من خانوا الدم، وإعادة بناء المرجعية على أساس من الصدق، هو الطريق الوحيد نحو خطاب ديني متجدد جامع وراسخ. 

#الإصلاح_المؤسسي

شاهد أيضاً

مشاهد من العودة إلى سوريا،ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء

مشاهد من العودة إلى سوريا… ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء إعداد: هناء محمد درويش يقدّم الفيلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *