تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة: من المستفيد من زعزعة ما تبقى من استقرار؟
هناء محمد درويش
مساء أمس ، وقع في حي الدويلعة الدمشقي تفجير إرهابي استهدف كنيسة مار إلياس، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الدم والعنف التي لم تغب يوماً عن الذاكرة السورية. وفيما سارعت الحكومة إلى اتهام تنظيم داعش بالوقوف وراء التفجير، تبقى التساؤلات مفتوحة حول الجهات التي قد تكون فعلياً المستفيدة من هذا النوع من العمليات في هذا التوقيت تحديداً.
اتهام داعش ليس جديداً. التنظيم، المعروف بتاريخه الدموي، كان قد تبنّى سابقاً عمليات ضد تجمعات مدنية ودينية في سوريا. وتوجد تهديدات سابقة منه تستهدف طوائف وأقليات، ما يجعل فرضية تورطه واردة من الناحية الأمنية. غير أن اختزال المشهد بهذه البساطة والسرعة يُعد نوعاً من التبسيط ، خاصة حين نضع التفجير ضمن السياق الإقليمي والداخلي الأوسع.
ثمة أطراف أخرى لا تقل خطراً عن داعش، وقد تكون صاحبة مصلحة أكبر في زعزعة الوضع السوري.
إيران وأذرعها مثلاً التي تُحكم قبضتها الأمنية والعسكرية على مفاصل القرار في مناطق مختلفة من سوريا، تبدو أحد هذه الأطراف المحتملة. إيران، التي تواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة وتحديات خارجية متعاظمة، دأبت في كثير من المرات على تصدير أزماتها إلى دول الجوار أو حلفائها، عبر خلق توترات أمنية تضمن بقاءها فاعلاً لا غنى عنه في المعادلة. ومن هنا، فإن إشعال بؤر توتر طائفية أو دينية قد يخدم حاجتها لصرف الأنظار عن أزماتها، كما قد يبرر بقاء ميليشياتها في سوريا بدعوى “حماية الأقليات”.
حزب الله، أحد أبرز أذرع إيران، والذي خرج من المواجهة الأخيرة في الجنوب اللبناني بخسائر سياسية وعسكرية، عاد ليُطلق تصريحات لافتة قبل يومين فقط من التفجير، معلناً نيّته إعادة التموضع في “ساحات أخرى”. والساحة السورية تبقى خياراً دائم الحضور لدى الحزب، سواء كمجال لإعادة ترميم صورته بعد هزات لبنان، أو كمساحة لتوجيه رسائل إقليمية عبر بوابة دمشق.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل دور بعض الجهات النافذة داخل بنية النظام السوري، والتي قد لا ترى في أي استقرار تهديداً للبلد، بل تهديداً لمصالحها. هذه الجهات التي اعتادت العيش في بيئة الفوضى والاقتصاد الموازي، قد تجد في مثل هذا التفجير وسيلة لإعادة فرض السيطرة وتبرير استمرار القبضة الأمنية بذريعة “محاربة الإرهاب”.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو محاولة زعزعة الموقف الوطني الحيادي للمكوّن المسيحي في سوريا، الذي كان ولا يزال عنصراً أصيلاً في النسيج السوري، وصاحب موقف متوازن تجاه الأحداث، هدفه الأول الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها. استهداف كنيسة في وضح النهار، في قلب العاصمة، لا يُفهم فقط بوصفه ضربة أمنية، بل رسالة سياسية تهدف ربما إلى جرّ هذه الشريحة إلى اصطفافات لا تشبه تاريخها ولا تمثل توجهاتها. إنها محاولة خبيثة لتحييد أحد أكثر المكونات السورية وعياً وثباتاً عبر إخراجه من الحياد ودفعه نحو مواقف انفعالية أو اضطرارية.
في المقابل، يبقى تحميل داعش المسؤولية الخيار الأسهل والأقل كلفة سياسياً . فالتنظيم هو العدو المثالي، الذي يثير ردود فعل دولية قوية داعمة ، ولا يفرض على الحكومة فتح جبهات سياسية أو أمنية جديدة، وهذا ما قد تفعله أي إشارة إلى دور إيراني أو تورط فصائل محسوبة عليها.
في النهاية، بعيداً عن الجهة المنفذة، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح هو: من المستفيد؟. من الذي يحصد المكاسب من ضرب التنوع السوري في عمقه، ومن إعادة تفعيل خطاب الخوف والانقسام؟ ومن الذي يريد أن يقول للداخل والخارج: “نحن لا زلنا نتحكم بإشعال الحريق وإطفائه متى شئنا.
ما جرى في كنيسة مار إلياس ليس مجرد عملية إرهابية تُضاف إلى سجل طويل من العنف، بل رسالة تحمل بين طياتها أبعاداً سياسية وأمنية بالغة الخطورة، تتطلب قراءة أعمق وأدق للمشهد السوري وتعاطي أوسع من قبل الجميع حكومة وشعباً
Alsharq News الشرق نيوز