الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / مقال / إعادة تدوير الشبيحة، هل هي تكتيك أم استراتيجيا؟

إعادة تدوير الشبيحة، هل هي تكتيك أم استراتيجيا؟

 إعادة تدوير الشبيحة، هل هي تكتيك أم استراتيجيا؟

أحمد السالم

 

وكأننا لا نملك ذاكرة، أو لعل هناك من  يراهن على أننا لم نعد نملك طاقة لنصرخ بوجه المجرمين و الفاسدين. في سوريا الجديدة تتبدل ربطات العنق الحمراء إلى خضراء، يتسلل البعض من عباءة القتل إلى بزات رسمية، ومن المليشياوية إلى الوزارة، ومن الشارع إلى المنصة. إنها ظاهرة “إعادة تدوير الشبيحة” التي باتت عنوان مرحلة ما بعد الثورة في سوريا .

في الوقت الذي ينتظر فيه السوريون بارقة أمل تشفي صدورهم بعدالة إنتقالية، يطلّ عليهم الجلاد بثوب السياسي، والسفاح بهندام المسؤول، ويعلو صوت المحبة المصطنعة من أفواه إعتادت النعيق “الأسد أو نحرق البلد”. أولئك الذين جابوا الأزقة حاملين صور الطاغية وأسلحته، يعودون الأن بسيارات فارهة، يتوسطون المؤتمرات، ويصافحون السياسيين بابتسامات صفراء لا تخفي سواد تاريخهم.

 

– من “فادي صقر” إلى “السيد فادي مالك أحمد”، سبحان مغير الأحوال !؟

انظروا مثلاً إلى فرحان المرسومي، أحد رجال الأسد الساقط، الذي لطالما ارتبط اسمه بأعمال التهريب والمخدرات، فإذ به اليوم يستضيف وزير الثقافة الجديد الذي صام دهراً ليفطر عنده على طبق الثريد لا طبق الكرامة، والأغرب والأخطر هو تصدر أخ أخر للرئيس الشرع للمشهد في تلك العزومة “الوطنية”، دون توضيح عن منصبه أو صفته الرسمية، وكأننا نعيد سيرتها الأولى،

هؤلاء الأذناب والفلول لم يكتفوا بالتطهر من ماضيهم عبر مناصبهم الجديدة، أو تملقهم بالمسؤولين، بل راحوا يتحدثون عن المرحلة المقبلة، وإعادة بناء الإنسان السوري، وكأنهم لم يكونوا السبب في تهشيم هذا الإنسان وتحطيم روحه.

 

– الطغات تصنع أقنعتها من الجماجم

 

الانظمة القمعية تعرف أن شرعيتها لا تُبنى على الخُطب الرنانة فقط، بل على إعادة إنتاج الجلاد في صورة خبير. فبدلاً من أن يُقدّم هؤلاء للمحاكمات، يُقدَّمون للكاميرات، وبدلاً من أن يواجهوا العدالة، يُمنحون صلاحياتها. فهل هو رهان على الوقت: “جرّب الناس الجوع، الموت، الخوف، التشريد… والأن المرحلة الأخيرة، أن يروا جلادهم مديراً، أو وزيراً، أو متحدثاً باسم الدولة”.

ليس غريباً، فهكذا كانت سوريا الأسد سابقاً، حيث الفساد يتناسل، والدم يُستخدم كحبر على أوراق التعيين،

 

– صدمة الثورة… والخذلان المضاعف

في مدن سوريا المحطّمة، لا يُصدّق الناس أعينهم. هؤلاء الذين دمروا منازلهم، هجروهم، قتلوا أبناءهم، ومارسوا أقسى أشكال الانتهاك بحقهم، أصبحوا اليوم عنوان “المرحلة الجديدة”. إنه شعور الخذلان المركّب، كأن الثورة هُزمت ومُسحت من ذاكرة التاريخ.

تجلس أم شهيد في الرستن، وتشاهد “أبو مرهج” الذي كان يقود عناصر الشبيحة على دراجته النارية، يُكرّم اليوم بوصفه “صوت المصالحة”، وتتساءل: هل حقاً ابنها قد مات لذلك!؟

أحد المعتقلين السابقين، الذي قضى سنوات في سجن صيدنايا، قالها بحرقة: “كنا نعتقد أننا إن خرجنا أحياء سنجد ثوارنا يحاكمون سجانينا، ولكننا وجدنا تهميش كبير لثوارنا والسجانين ذاتهم أحرار ولكن بربطات عنق”.

والد المعتقل أحمد الشعار، يطالب بالقصاص من قتلة ابنه، بعد تعرفه على صورته في تسريبات “زمان الوصل”، والنيابة العامة ومخافر الشرطة ترفض إستقبال شكواه ضد فادي صقر!

النيابة العامة في دمشق، ترفض بالجملة شكاوى ضد “عصابة الحوت”، وضد زعيمها حسام بركات عازر، والسبب غير معلوم!

تقدمت عائلة المختفيان قسرياً حسن وأنس صعب، بشكوى رسمية ضد اللواء محمود عمار، وتم إلقاء القبض عليه، حيث أقرّ خلال التحقيق بتورطه في الاحتيال المالي، مدعياً قدرته على إخراج الشقيقين من سجن صيدنايا مقابل المال. ولكن قاضية من بقايا الأسد إسمها هناء علي الأغا، سارعت إلى إخلاء سبيله قبل حتى الاستماع لإفادات الشاكين. وحين سُئلت عن سبب هذا القرار، جاء ردها صادماً: “على دور النظام السابق، هل كنتم تستطيعون سؤال القاضي عن سبب إخلاء سبيل أي موقوف؟”.

وبرّرت القاضية موقفها بأن اللواء رجل طاعن في السن “من نفخة هواء بيوقع”، وأنه لا جدوى من الادعاء عليه، متناسية وجود عدة شكاوى بحقه بنفس التهم، وبنفس الضبط.

 

– من جغرافيا العنف إلى هندسة السلطة

ليس من المبالغة القول إن الإستبداد يعيد رسم الخريطة الإدارية بدماء الضحايا. الشبيحة اليوم هم جزء فاعل في الطبقة الإدارية الجديدة، أو حراس المرحلة التي تلي الدمار. لقد فهموا المعادلة جيداً: لا حاجة لك بالخبرة أو حتى السمعة، ما دمت قادراً على أمتلاك المال.

 

بينما يتم تهميش أبناء الثورة الحقيقيين ، الذين ضاع مستقبلهم بالشتات، وتم إقصاء معظمهم من المشهد، لأنهم ثاروا 14 سنة فقط، وتخلفوا عن المعركة الأخيرة، فخلصنا أن ثورتنا عمرها 11 يوم فقط، ولنا فيما يحصل اليوم للثائر عبدالرحمن محمود المحيمد، المشهور بلقب أبو خولة موحسن، من إعتقال تعسفي وضرب وتعدي خير مثال على جنون مايحدث.

 

 

– كأننا في كابوس طويل

ما يحدث ليس مجرد فساد أو تجاوز إداري. إنه إنقلاب البعض على الثورة، على الكرامة، على حقوق الشهداء والمعتقلين والمُهجرين. ظاهرة إعادة تدوير الشبيحة، ليست علامة ضعف وضرورة كما يبرر بها الشبيحة الجدد بأنها زلات القيادة الجديدة، بل هي دليل قدرة الدكتاتورية على تحويل أداة القتل إلى عنصر صالح “بنظرها فقط” في معادلة البقاء.

يبقى السؤال معلقاً في أفواه السوريين: إلى متى سنبقى نرى هذه الوجوه الباسرة ذاتها؟ وهل يُمكن حقاً بناء المستقبل بأدوات الجريمة الماضية؟ أم أن سوريا الجديدة لن تُبعث إلا حين يُنزع القناع عن هذه الأوجه؟.

 

وأخيراً أقول: من يراهن على صدأ ذاكرة السوريين الحديدية، فوجب عليه أن يعلم بأن ذاكرتنا من فولاذ، لا تلوى، ولا تصدأ أبداً، وأن الصبر له حد، ربما وصلناه، أو على وشك.

شاهد أيضاً

مشاهد من العودة إلى سوريا،ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء

مشاهد من العودة إلى سوريا… ذاكرة الخراب وبدايات الشفاء إعداد: هناء محمد درويش يقدّم الفيلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *