“المحطة الأخيرة لسائق الباص
موسى الرمو
“لم يكن يملك رفاهية الهواتف الذكية.. كان يحمل في جيبه جهازاً أسود صغيراً بشاشة باهتة.. هاتفه لا يعرف سوى الزر الأخضر.. لم يضغط الزر الأحمر يوماً لرفض مكالمة.. فالمتصلون هم دائماً “أهل الدار”.. وصوتهم هو الوقود الذي يحرك محرك الباص الهرم.. “بابا لا تنسَ الخبز.. أحضر معك أربع حبات ليمون تقول ماما وكيسين من البطاطا لإخوتي الصغار “.. كلمات بسيطة كانت هي خارطة طريقه الوحيدة..ورغم أن هاتفه كان بدائياً.. إلا أن مرايا الباص كانت ذكية بشكل مذهل.. كأنها شاشات حاسوب تعمل بنظام كوني فائق الدقة.. مرآة المنتصف كانت تختصر العالم وتجعله قرية صغيرة أمام عينيه.. يراقب عبرها “دردشة جماعية” ايمائية صامتة لأكثر من خمسين راكباً.. تتدلى منها مسبحة من “النمنم” الصيني مزين بالصولجان بلونه الأزرق الشامي .. اشتراها من سوق خيري يعود ريعه لسجن الأحداث.. وكأنها تميمة تحمي من عثرات الطريق.. وعنقود عنب بلاستيكي تخطئ به من جماله يتسلى بعد حباته من كان اقرب اليه من الركاب .. وعلى الجانبين.. تربعت مرآتان كأنهما قرنا (الآلهة حتحور) يحملان قرص الشمس انشطرت نصفين.. ينظمان حركة الباص بحرفية عالية تشبه دفة طيار يقود سفينته يشق بها رغوة الغيوم..في تلك الرحلة الأخيرة.. الأمور ليست كسابقاتها.. انتهت “الدردشة” ونزل الركاب جميعاً.. وبقي شخص واحد في المقعد الأخير.. ظنه السائق عابراً سينزل في المحطة الأخيرة أو بالقرب من منزله.. التفت إليه السائق بوقار المتعب وقال: “هذه المحطة الأخيرة يا حاج”..في تلك اللحظة.. اهتز قرص الشمس والشاشات في مرايا الباص.. غابت الألوان الزاهية وانحسر المشهد في الأسود والأبيض.. تجلى “الحاج” الواقف في الخلف بثياب ناصعة البياض .. أجابه بصوت هادئ يملأ الفراغ: “فعلاً.. هي المحطة الأخيرة يا حاج” .. وأطبق السائق عينيه واسند رأسه على المقود.. ليرحل شهيداً في ساحة العمل.. تاركاً خلفه الليمون والخبز.. وأكياس البطاطا للأطفال .. ومرايا لا تزال ترصد تفاصيل مدينة لم تكن تعرف أن هذا السائق ذكياً برتبة طيار ..

Alsharq News الشرق نيوز