ارتجاج تحت مدينة منهكة: كيف جعلت عملية «عين الصقر» الرقة ترتجف فوق أنفاق الحرب
ريم الناصر
في ليلة لم يعرف سكان الرقة مثلها منذ سنوات الحرب، حضرت عملية «عين الصقر» لا كخبر عسكري بعيد، بل كارتجاجٍ حقيقي وصل إلى داخل البيوت. العملية التي انطلقت كردّ عسكري أمريكي على هجوم تدمر، وامتدت ضرباتها من بادية حمص إلى ريف دير الزور، وصولاً إلى معدان في ريف الرقة الجنوبي الشرقي، أعادت المدينة المنهكة إلى قلب الخطر، رغم أنها لم تكن هدفاً مباشراً.
الرقة، التي تعيش بلا كهرباء مستقرة ولا إنترنت، لم تعرف ما يحدث. لم تصل أخبار، ولم تُسمع بيانات، فقط أرض تهتز تحت الأقدام، وبيوت ترتج وكأنها على وشك الانهيار. كثيرون ظنّوا أن ما يجري زلزال، لا عملية عسكرية.لكن ما حدث لم يكن ارتجاجا عابرا، بل نتيجة واقع أخطر بكثير: مدينة تقوم فوق شبكة أنفاق عسكرية واسعة، أنشأتها مليشيا قسد خلال السنوات الماضية، وامتدت تحت الأحياء السكنية، المدارس، والمرافق الطبية. شبكة مجهّزة بمولدات ومواد غذائية وطبية، لا تشير إلى تحصين مؤقت، بل إلى تحضير طويل لمعركة تُدار من تحت منازل المدنيين.في منتصف هذا المشهد، تظهر الكلفة الحقيقية للحرب.
يقول خالد، البالغ من العمر اثني عشر عاما:«كنت غارقا في النوم وفزعت، شعرت أن الأرض تتحرك من حولي. لم أكن أعرف ما يحدث، فقط كنت خائفاً جدا.»
وتقول أم علي، وهي من سكان أحد أحياء الرقة:«حملت كيس الدواء وخرجت إلى الشارع خوفا من أن أموت تحت ركام بيتي، والبرد كان شديد جدا.»هذه الشهادات لا تنقل الخوف فقط، بل تكشف حقيقة مرة: مدنيون يعيشون فوق بنية عسكرية مخفية، دون علمهم، ودون أي حماية. أي انفجار تحت الأرض قد يعني انهيار منزل، وأي ضربة بعيدة قد تتحول إلى كارثة محلية بسبب انتقال الارتجاج عبر الأنفاق. الإخلاء شبه مستحيل، والتحذير غائب، والصمت هو السياسة الوحيدة المعلنة.ما يجري في الرقة ليس استعدادا دفاعيا بريئاً، بل وضع مدينة كاملة فوق سكة حرب مؤجلة. ترك المدنيين فوق هذا الواقع، دون إشعار أو خطط حماية، ليس إهمالاً فقط، بل تحميل مباشر لهم ثمن معارك لم يختاروها.الرقة اليوم ليست مدينة خارجة من الحرب، بل مدينة معلّقة فوقها. ارتجاج «عين الصقر» لم يكن الأقسى عسكريا، لكنه كان الأخطر إنسانيا، لأنه كشف ما هو مخفي تحت الأرض، وذكّر سكان المدينة بأن الخطر لم يعد يأتي فقط من السماء… بل من تحت أقدامهم
Alsharq News الشرق نيوز