الأنفاق التي تبتلع الطفولة: تحقيق ألماني يعرّي تجنيد القاصرات في شمال شرق سوريا
ريم الناصر
لا يبدأ التحقيق الألماني بسؤال عن السياسة، بل بسؤال أبسط وأقسى: «كيف تشعرين عندما تقتلين؟».السؤال يُطرح بهدوء، والإجابة تأتي بلا ارتباك. القتل، السلاح، صوت الرصاص، العيش تحت الأرض… كل ذلك يُقدَّم بوصفه أمرًا طبيعيًا، بل “شعورًا رائعًا” كما تقول إحدى المقاتلات. هنا لا نتحدث عن تحليل خارجي أو توصيف خصوم، بل عن شهادات مباشرة ضمن تحقيق مصوّر ناطق بالألمانية، أُنتج وفق معايير الإعلام الأوروبي وصُوّر ميدانيًا من داخل شمال شرق سوريا.تحقيق CRISIS – Kampf im Untergrund يدخل الكاميرا إلى شبكة أنفاق عسكرية، حيث الطائرات المسيّرة في الخارج والقنابل تهز الجدران. تصف إحدى المقاتلات ما يحدث عند الانفجار: موجة ضغط، سقوط على الأرض أو الارتطام بالحائط، ثم بعد نصف ساعة “يعود كل شيء إلى طبيعته”. هذا “الطبيعي” هو بيت القصيد. فالتقرير لا يوثّق فقط القتال، بل يوثّق تطبيع العنف داخل منظومة مغلقة.تظهر مقاتلات من وحدات حماية المرأة وهن يحملن أسلحة رشاشة، ويُذكر صراحة استخدام أسلحة ثقيلة. ويُعاد أكثر من مرة الخطاب الأيديولوجي نفسه: “هم ينظرون إلى النساء على أنهن أدنى، ولذلك لا يريدون أن تُقتلهم النساء”. يُقدَّم هذا الطرح كتبرير للدفع بالنساء إلى الخطوط الأمامية. لكن خطورته تتضاعف عندما يتقاطع مع مسألة العمر.عندما يسأل معدّ البرنامج إحدى الفتيات: «متى انضممتِ؟»، يتدخل مسؤول العلاقات العامة ليمنع الإجابة. المشهد لا يتوقف عند هذا الحد. فتاة أخرى تتدخل وتقول للمعدّ إن زميلتها مدمنة مخدرات. هذه العبارة لا تأتي من خصم أو تعليق خارجي، بل ترد داخل الفيديو نفسه، كجزء من الحوار، وتفتح بابًا أكثر ظلمة: أي نوع من البيئات هذه التي يُسمح فيها لمقاتلات، يُشتبه أن بعضهن قاصرات، بالعيش تحت الأرض، وحمل السلاح، والتعامل مع الإدمان، في آن واحد؟التقرير يعرض الحياة في الأنفاق كـ “حياة جميلة”: دورات يومية، تلفاز، خطابات القادة، صور “الشهداء”. ليس ملجأ مؤقتًا، بل نظامًا كاملًا يُعاد فيه تشكيل الوعي. وعندما تُسأل إحدى المقاتلات عن إمكانية العودة إلى حياة مدنية بلا سلاح، يكون الجواب صريحًا: “الأمر صعب… من الصعب علينا أن نعيش حياة طبيعية مرة أخرى.” هذه ليست لغة مقاتلة أنهت خدمة عسكرية، بل لغة شخص جرى قطع طريق العودة أمامه.ما يجعل هذا التحقيق بالغ الخطورة أنه لا يقف وحده. فهو يتقاطع بشكل مباشر مع تحذيرات هيومن رايتس ووتش التي وثّقت، في تقارير متكررة، استمرار تجنيد أطفال وقاصرين في مناطق شمال شرق سوريا، بما في ذلك فتيات، رغم التعهدات الرسمية بوقف هذه الممارسات. كما أن الأمم المتحدة، في تقاريرها السنوية حول الأطفال والنزاعات المسلحة، سجّلت حالات موثقة لتجنيد واستخدام قاصرين من قبل قوى مسلحة مرتبطة بقسد، وأكدت أن المشكلة لم تُحل بشكل كامل.وفق القانون الدولي الإنساني، لا يغيّر شيء من الحقيقة الأساسية: تجنيد أو استخدام أي شخص دون 18 عامًا في النزاعات المسلحة يُعدّ انتهاكًا جسيمًا، سواء تم تحت شعار “الطوعية”، أو “الدفاع عن النفس”، أو “تحرير المرأة”. وعندما يُمنع السؤال عن العمر على الكاميرا، يصبح هذا المنع بحد ذاته دليل خوف من الإجابة.هذا التحقيق لا يهاجم جهة بعينها، لكنه يفضح تناقضًا صارخًا: خطاب تحرري يُسوَّق خارجيًا، مقابل واقع ميداني تُطبع فيه القاصرات – وبعضهن يعانين من الإدمان بحسب ما ورد في الشهادات – على القتل، والسلاح، والحياة تحت الأرض. ولهذا تحديدًا، تُواجَه مثل هذه الأعمال بمحاولات التشكيك أو الإخفاء.ما وثّقته الكاميرا لا يمكن شطبه ببيان. لأن السؤال لم يعد سياسيًا، بل أخلاقيًا وقانونيًا:من يحمي الطفولة عندما تتحول الأنفاق إلى مدارس، والسلاح إلى هوية، والقتل إلى شعور “طبيعي”؟

Alsharq News الشرق نيوز