الإثنين , مايو 18 2026
الرئيسية / اقتصاد / عن القمح وتسعيرته والفلاح

عن القمح وتسعيرته والفلاح

كتب عيسى الشيخ حسن

كان أهلنا يتساءلون بقلق ولهفة: طگّ السعر؟ ولم يكن هذا سؤالهم عن “تسعيرة الحبّ” التي تسعّرها “الدولة” كما تريد. كانت طگّة السعر سؤال الحصاد، حصاد الحنطة التي تحصدها الحصّادات بالنسبة أو بالمقطوع عن الدونم، وكذلك حصاد العدس الذي يحصد باليوميّة، أو الگبالة “المساحة” وفي كلّ هذه ينتظرون طگّة السعر الذي تتحكّم به عوامل مختلفة تحت قانون “العرض والطلب”.
.
منتصف الثمانينات اضطرت الحكومات السابقة تحت وطأة الحصار لتشجيع الزراعة، وتحسّنت أحوال الفلاحين اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولكنّ هذا لم يعجب القائمين على الأمر آنذاك، وبخاصة بعد أن تجاوزت البلاد الأزمة الاقتصادية، فرفعوا أسعار المحروقات، والأسمدة.
.
في “العشرية ونصّ” الفائتة تراجعت الزراعة إلى درجة مخيفة، ولحق الفلاحين ضيم شديد، وتحولوا إلى شريحة مسحوقة تمامًا. وندرت أعوام الخصب (ربّما كان هذا العام الثاني).
.
منذ عام 1988 “عام الدكمة” لم تشهد البلاد مطرًا “عام تام” مثل أمطار العام، وتأمل من زرع هذا العام أن يعوّضه الله عن تعبه وصبره وسنوات انتظاره.
.
على أسعار ال2011 كان سعر كيلو الحبّ 11 ليرة ونصف (نحو ربع دولار) مقابل أسعار وقود وأسمدة مقبولة وبقروض ميسّرة، وتكاليف أقل، بحسبان أن “اقتصاد الزراعة” هو اقتصاد البلد، يتقنه ويفهمه وينتظره ويفرح به أكثر من نصف سكان البلاد، بأسئلة تثير مكامن الفضول والبهجة، عن انتاج البلاد من القمح القاسي والقمح الطري والشعير، وعن أبطال الانتاج في المساحات الصغيرة، وكان أهلنا يتنافسون في ذلك، ويحسبون بدقة إنتاج الدونم الواحد “نحو 600 كيلو غرام فيما أذكر” وبات حديث الإنتاج سردية الفلاح السوري: “ثمّة فلاحون وصلوا إلى أرقام تصل إلى الطنّ في الدونم.. بعض الفلاحين زاد مساحته بلعبة ذكية بتخطيط الأرض وجعلها كلها سواقي، وبعضهم صمم غرابيل من حديد في مقدمات الجرافات لغربلة الأراضي الصخرية، وبعضهم ألحق بالبذارات أعمدة حديد تسهّل الأثلام..الخ.
.
لا أظنّ الدولة تخسر شيئًا إذا كافأت الفلاح بدولار واحد للكغ، أو حتى ب80 سنتًا، بأسعار مدعومة ومكافآت تسليم مجزية، فهذه الكتلة المالية سوف تدوّر في السوق، وتتسبّب في حركة نشطة، لأنّ المال ليس كله للفلاح، بل للعامل، ولصاحب الحصادة، ولعمالها، ولتاجر الحبوب، ولبائع أكياس القنّب، ولصاحب الصيدلية الزراعية، وصاحب مصلحة الحراثة.
.
من أهم مظاهر المواسم الحسنة هو الزكاة، بنسبتها العالية (10% بعل، و5% سقي) تستفيد منها عائلات كثيرة، فتشارك أهل الموسم فرحتهم.
.
ولهذا فإن انتظار الموسم في سوريا (وبخاصة في الحسكة) هو انتظار جليل ومقلق يماثل انتظار رمضان وانتظار العيدين وانتظار كأس العالم أو الألعاب الأولمبية، وفي موسم الحصاد يقف الناس جميعًا في انتظار أن تمرّ هذه البطولة الحقيقية بسلام.
.
وعندما “نطشّ الحبّ” نقول للطير وما قسم الله، وفي تشرين نقلق إن لم يأت المطر، وفي الكوانين نخاف عليه من المربعانية، وفي آذار نقول “إن عمرت وراها آذار وإن خربت وراها آذار” ونقلق في نيسان إن لم تمطر، ونخاف إن أمطرت من هواء شمالي بارد يحرق الورق، وفي أيّار نخاف من الحالول (البَرَد) وحين تتأخر الحصادة نحاف من الحريق، وحين نحصد نخاف من الحرامية التي تحوف “الستوكات” وعند التسويق نخاف من “المجرّم” الذي لن يعطي الحبّ حقه ما لم تعطه شيئًا (إلا من رحم ربّي) وحين تتأخر الفاتورة نقلق أيضًا، فإذا قبضنا الثمن وضعناه بين اللحف في النضد، ونحرسه خوفًا من الحرامية، ولا نرتاح إلا إذا صرفناه في شهر أو شهرين.
.
اطمئنوا لن تخسروا شيئًا، فالفلاحون لا يجيدون التوفير والادّخار، وكما أنّ الذي في قلوبهم على رؤوس ألسنتهم، فإن ما في جيوبهم على رؤوس أصابعهم، وما ستعطونه إياه في حزيران أو تموز، سيعود إليكم في آبو أو في أيلول، سيعود إلى باعة الذهب والأقمشة، والسيارات، وأصحاب المطاعم.
.
قد يكون الاقتصادي الناجح من يوفر لخزينة الدولة، ولكنّ الاقتصادي الناجح من يستطيع تدوير كتلة مادية ستساهم في أن تشتري الأمهات الفاكهة لأبنائهنّ، وللشيوخ ثمن العلاج المنتظر.
.
على أيام أجدادنا الأمويين فاضت الحبوب على زمن سيدنا عمر بن عبد العزيز، فطلب أن ينثروه على قمم الجبال لتأكل منه الطير، وعلى أيام أجدادنا العباسيين قالت السيدة زبيدة لعامل حفر الآبار: ” اضرب ولو كلّفتك ضربة الفأس دينارًا” وبعدها كافأ الخليفة المأمون المترجمين الكتابَ بوزنه ذهبًا، فماذا عنّا؟ ترى والله زعلنا بعد طگّة السعر.
.
ولو تفكّرنا في التعبير القرآني الجليل “في كلّ سنبلة مائة حبّة” فلعلّ هذا يهدينا إلى أنّ ضخّ المال في الزراعة سيثمر أضعافه. إنّ هؤلاء الناس يحتاجون “دفشة” بداية سوريا الجديدة، وإن ثمن مليون طن قمح لا يتجاوز مليار دولار من العملة (غير الصعبة) ستفعل فعلها في السوق والحياة.
.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

شاهد أيضاً

الكتابة السياسية بين المسؤولية والمعرفة

الكتابة السياسية بين المسؤولية والمعرفة فراس علاوي من الشاقّ جداً فصل السياسة عن باقي قطاعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *