الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / تحليل / شريط درزي يفصل المشرق: مشروع حقيقي أم ورقة ضغط إسرائيلية؟

شريط درزي يفصل المشرق: مشروع حقيقي أم ورقة ضغط إسرائيلية؟

شريط درزي يفصل المشرق: مشروع حقيقي أم ورقة ضغط إسرائيلية؟

بقلم: لُجين المليحان

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جذرية تعيد صياغة التحالفات والخرائط على نحو غير مسبوق. فالمحور التقليدي الممتد من طهران إلى رأس الناقورة، الذي شكّل لسنوات العمود الفقري لما سُمّي بـ”محور المقاومة”، تعرض لهزات عميقة بعد سقوط نظام بشار الأسد وضربات على حزب الله اللبناني وأيضا بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية لإيران وحلفائها، بالتوازي مع صعود محور جديد تقوده السعودية ويتجه بثقله شمالاً نحو القوقاز وصولاً إلى غروزني.

في خضم هذا التحول الجيوسياسي، يطفو على السطح سؤال بالغ الحساسية: هل نحن أمام مشروع لفرض شريط درزي يمتد في جنوب سوريا ليشكّل حاجزاً يفصل سوريا وتركيا عن الأردن والسعودية؟ وهل تسعى إسرائيل، التي تحاول استثمار لحظة إعادة تشكيل الموازين، إلى جعل هذا الشريط منطقة نفوذ جديدة تحفظ مصالحها الاستراتيجية في المشرق؟

تحوّل المحاور: من طهران – رأس الناقورة إلى السعودية – غروزني

على مدى أكثر من عقدين، ارتكزت معادلة الصراع في المشرق على محور تقوده إيران ويمتد عبر العراق وسوريا وصولاً إلى حزب الله في لبنان. هذا المحور اعتمد على تحالفات مذهبية وشبكات ميليشياوية عابرة للحدود، لكنه  اليوم واجه انكفاءً متزايداً بفعل الضربات المباشرة والتحديات الاقتصادية والداخلية في إيران، إلى جانب التغييرات الإقليمية الكبرى التي أفرزتها التفاهمات الخليجية – التركية والتموضع السعودي الجديد.

نتيجة لذلك، برز محور موازٍ يمتد من الرياض إلى غروزني، يعكس تقارباً عربياً – تركيا غير مسبوق ويعيد ترتيب أولويات الأمن الإقليمي بعيداً عن الأجندات الإيرانية التقليدية. هذا التحول فتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، وخلق فراغات أمنية في الجنوب السوري تحاول أطراف متعددة – من بينها إسرائيل – ملأها بطرق مختلفة

 

مشروع الشريط الدرزي: حقيقة تتشكل أم مجرد فرضية؟

لا توجد حتى الآن وثائق رسمية أو خرائط منشورة تعلن عن “شريط درزي” يفصل المشرق العربي، لكن تقارير غربية وإسرائيلية أشارت إلى تحركات ميدانية ذات دلالة:

وول ستريت جورنال كشفت أن إسرائيل طرحت فكرة “منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق” بحجة حماية الطائفة الدرزية وتأمين حدودها الشمالية.

وكالة أسوشييتد برس وصحيفة تايم أكدتا قيام الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية بحفر خنادق وتعزيز الأسوار في الجولان المحتل والمناطق الحدودية مع سوريا، وهو ما يعكس توجهاً لإقامة “حزام أمني” فعلي.

تقارير واشنطن بوست أشارت إلى أن بعض القيادات الدرزية في السويداء بدأت تطلب دعماً إسرائيلياً يشمل فتح الحدود وتقديم مساعدات إنسانية وطبية، ما يوفّر لإسرائيل ذريعة إضافية للتدخل. هذه المعطيات تزامنت مع اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية وعشائر بدوية في السويداء (يوليو 2025)، تخلّلها تدخل سوري رسمي وغارات إسرائيلية على مواقع عسكرية قرب دمشق. وقد وصفت رويترز هذه الأحداث بأنها “انتهاكات صادمة” أثارت مخاوف من تحول الصراع الأهلي إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

تتقاطع  أيضاً تحليلات متعددة حول فكرة إنشاء شريط جغرافي  يمتد في مناطق جنوب سوريا وصولاً إلى تخوم الجولان المحتل. هذا الشريط – وفق هذه الرؤى – سيشكّل حاجزاً جغرافياً يفصل بين سوريا وتركيا شمالاً وبين الأردن والسعودية جنوباً.

لكن ما يثير التساؤل هو ما إذا كان هذا المشروع يعكس مخططاً إسرائيلياً استراتيجياً لاستثمار خصوصية الطائفة الدرزية – سواء في الجولان أو في فلسطين المحتلة  وجبل العرب– لبناء منطقة عازلة توفر لإسرائيل عمقاً أمنياً إضافياً وتقطع خطوط التواصل العربي – العربي

الأهداف الإسرائيلية المحتملة

أولا: فصل الجبهات العربية: تأمين فصل جغرافي يمنع أي تواصل عسكري أو لوجستي مستقبلي بين شمال وجنوب سوريا.

ثانيا:تعزيز العمق الأمني: خلق منطقة عازلة تحمي الجولان دون الحاجة لاحتلال مباشر.

ثالثا: توظيف البعد الطائفي: استخدام الهوية الدرزية كورقة لإعادة رسم الحدود بما يخدم النفوذ الإسرائيلي طويل الأمد.

التداعيات الإقليمية

سوريا: أي حزام أمني درزي سيكرّس واقعاً تقسيمياً جديداً ويزيد تعقيدات الحل السياسي.

الأردن والسعودية: سيؤدي إلى عزل استراتيجي عن شمال المشرق ويعطّل مشاريع التعاون الإقليمي.

تركيا: خسارة أوراق الضغط في الجنوب السوري وتراجع نفوذها في المعادلة الحدودية.

الطائفة الدرزية: زجّها في صراع إقليمي قد يهدد علاقتها التاريخية مع محيطها العربي.

خاتمة: سؤال المستقبل

رغم غياب وثائق رسمية تؤكد وجود خطة إسرائيلية مكتملة المعالم لـ”شريط درزي”، إلا أن التحركات الميدانية والتسريبات الإعلامية تكشف عن اتجاه واضح لإعادة ترتيب الجنوب السوري على أسس طائفية وأمنية جديدة. ويبقى التحدي أمام القوى العربية الصاعدة: هل ستسمح بأن تتحول خصوصيات المكونات الدينية إلى أدوات لتفتيت المشرق، أم ستوظف التحالفات الجديدة لمنع أي مشروع تقسيمي جديد؟



شاهد أيضاً

هل يدخل الجيش السوري مدينة الرقّة أم يتوقّف جنوب النهر “غرب الفرات”؟

هل يدخل الجيش السوري مدينة الرقّة أم يتوقّف جنوب النهر “غرب الفرات”؟ (تحليل) عبد الوهاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *