مسارات خفية لنقل السلاح وإعادة تفعيل الخلايا النائمة في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد.
خاص الشرق نيوز
تشهد البلاد تحولات أمنية متسارعة لا تقتصر على تبدل موازين السيطرة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل شبكات نفوذ تعمل بعيدًا عن العلن. وفي هذا السياق، كشفت مصادر ميدانية مطلعة عن نشاط منظم تقوده قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يهدف إلى نقل السلاح والمعدات الحساسة من مناطق سيطرتها، وعلى رأسها مدينة الرقة، باتجاه محافظات الداخل السوري، ضمن مقاربة تعتمد على العمل السري والتمويه اللوجستي.ويقول مصدر مطلع على حركة النقل في البادية، فضّل عدم الكشف عن هويته، إن «الرقة تحولت خلال الفترة الماضية إلى نقطة انطلاق رئيسية لشحنات سلاح ومعدات تقنية، جرى نقلها عبر طرق صحراوية فرعية بعيدًا عن الطرق المعروفة». ويضيف أن «اختيار هذه المسارات جاء نتيجة دراسة دقيقة لطبيعة الأرض ومستوى الرقابة، حيث يقل الوجود الأمني الثابت وتضعف القدرة على التفتيش».وبحسب المصادر، اعتمدت عمليات النقل على سيارات جيب، وحافلات نقل عام، إضافة إلى شاحنات كبيرة محمّلة بمواد زراعية، لا سيما التبن، ما وفر غطاءً مدنيًا للحركة. وفي هذا السياق، يؤكد خبير أمني عمل سابقًا في مراقبة طرق التهريب أن «عددًا من هذه الآليات جرى تعديله تقنيًا عبر تركيب خزانات إضافية ذات تصميم خاص، لا تُستخدم فقط لزيادة مدى السير، بل تُستغل لإخفاء ونقل كميات كبيرة من السلاح والذخيرة وأجهزة الاتصال». ويشير إلى أن «اكتشاف هذا النوع من التعديلات يتطلب تفتيشًا فنيًا متقدمًا، وهو ما تفتقر إليه معظم الحواجز الحالية».وعلى امتداد هذه المسارات، جرى استخدام نقاط عبور وسيطة داخل البادية، استُخدمت لإعادة تجميع الشحنات أو تقسيمها قبل توجيهها إلى وجهات متعددة. ويرى مراقب عسكري أن «محيط تدمر برز كعقدة نقل غير مباشرة، تتفرع منها المسارات باتجاه حمص ودمشق، في حين اتجهت خطوط أخرى شمالًا نحو حلب، وغربًا باتجاه الساحل، وجنوبًا وصولًا إلى السويداء»، معتبرًا أن «هذا التوزيع الجغرافي يعكس نية بناء شبكة خلايا نائمة واسعة الانتشار».ولم يقتصر النشاط على نقل السلاح فحسب، بل تزامن مع تهريب مبالغ مالية وُصفت بالكبيرة. ويقول مصدر محلي من الجنوب السوري إن «هناك مؤشرات واضحة على دخول أموال وسلاح إلى السويداء خلال فترات شهدت تحركات عشائرية، ما وفر غطاءً اجتماعيًا لمرور الأفراد والآليات دون إثارة الشبهات». ويضيف أن «هذا الأسلوب ليس جديدًا، لكنه استُخدم بكثافة خلال المرحلة الأخيرة».كما تتحدث مصادر متعددة عن عودة نشاط عناصر مرتبطة بالبنية الأمنية للنظام السابق، من بينهم ضباط وعناصر وحدات نسائية كانت فاعلة في مراحل سابقة، خاصة من مناطق الساحل ووسط البلاد. وبحسب باحث في الشأن السوري، فإن «الاستعانة بعناصر تمتلك خبرة طويلة في العمل السري وإدارة الشبكات يوفّر قدرة تنظيمية عالية، ويشير إلى أن ما يجري يتجاوز تحركات فردية أو ظرفية».في المقابل، يلفت مراقبون إلى التناقض في السياسة الأمنية المتبعة داخل مناطق سيطرة «قسد». ويقول أحد سكان الرقة إن «الدخول إلى المدينة يخضع لإجراءات مشددة، ولا يُسمح به دون كفيل، في حين تبدو حركة الخروج باتجاه البادية أقل تعقيدًا». ويرى متابعون أن «هذا التباين يعكس محاولة لتحصين الداخل مقابل ترك هامش حركة واسع باتجاه الخارج».وتشير تطورات ميدانية، ولا سيما في محيط تدمر، إلى أن هذه التحركات لم تبقَ في إطار النقل اللوجستي فقط. ويقول محلل عسكري إن «ما جرى في تدمر يمكن قراءته كمؤشر على بدء اختبار بعض الخلايا النائمة، وليس كحدث معزول». وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن إغلاق الطريق بين الرقة ومناطق سيطرة الحكومة السورية جاء «كإجراء احترازي للحد من هذه التحركات، لكنه لا يكفي في ظل وجود مسارات بديلة يصعب ضبطها».في المحصلة، تكشف هذه المعطيات، وفق خبراء ومتابعين، عن مشهد أمني معقد يتسم بإعادة التموضع والعمل عبر شبكات خفية، مستفيدًا من الفراغات الجغرافية والثغرات الأمنية. ويحذر محللون من أن «تجاهل هذه المؤشرات قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار، في مرحلة يفترض أن تتجه فيها البلاد نحو التهدئة وإعادة ترتيب المشهد العام»
Alsharq News الشرق نيوز