السلطة الرابعة… برلمان الشعب الذي لا يُنتخب
هناء درويش
بينما انشغل السوريون بقراءة نتائج انتخابات مجلس الشعب، كان ثمة من يقرأ المشهد من زاوية أخرى، أعمق وأصدق: مشهد السلطة الرابعة وهي تستعدّ لمساءلة من فازوا ومن خسروا معًا.
فالانتخابات مضت، والنتائج أعلنت، لكن الحقيقة بقيت عالقة في عنق السؤال: أيّ تمثيل هذا الذي يُقصي المرأة ويهمّش المكوّنات، ويعيد إنتاج العقلية نفسها التي ثار السوريون عليها يومًا؟
لا تمثيلًا كافيًا للمرأة، ولا حضورًا منصفًا للمكوّنات السورية التي شكّلت وجه البلاد وتنوّعها منذ قرون.
المرأة السورية، التي كانت في قلب الثورة لا على هامشها، وجدت نفسها اليوم خارج المشهد السياسي تمامًا. كانت تلك المرأة التي وقفت في الميادين وواجهت الرصاص، واعتُقلت لأنها هتفت، واستُشهد ابنها لأنها لم تصمت، وفُقد زوجها لأنها آمنت بالحرية. كانت أمّ الشهيد، وبنت المعتقل، وزوجة المفقود، وأخت المنفيّ.
لكن بدل أن تُكافأ، كان جزاؤها الإقصاء من قوائم الترشيح، وغيابها عن قاعات القرار.
لقد ظلمتها اللجان الانتخابية التي كنا نعوّل عليها أن تنصفها، لكنها أظهرت أنها ما زالت أسيرة الوعي الذكوري القديم الذي يرى في المرأة تابعًا لا شريكًا. لجانٌ لم تدرك بعد أن الثورة التي غيرت وجه سوريا ما كانت لتقوم لولا نساؤها.
وهكذا، بدلاً من أن يُترجم نضال المرأة إلى تمثيل، جرى اختزاله إلى عبارات مجاملة فارغة.
أما التمثيل المسيحي، فبقي هو الآخر غائبًا عن مشهدٍ يزعم التنوع. وكأن النظام السياسي — بمؤسساته القديمة والجديدة على السواء — لم يتعلّم بعد أن التعددية ليست شعارًا انتخابيًا، بل روح وطنٍ يُفترض أن يتسع للجميع.
ورغم هذه العتمة، ما زال في الأفق بصيص أمل. فثمّة رفاقٌ من أبناء الثورة دخلوا المجلس بأصوات الأحرار لا ببركات السلطة.
أولئك الذين لم يساوموا على مبادئهم ولم يبدّلوا بوصلتهم. لكن وجودهم لا يعفيهم من المساءلة، بل يجعلها أكثر وجوبًا. لأن من يمثّل الناس باسم الثورة، عليه أن يعرف أن التمثيل تكليف لا تشريف، ومحاسبة لا مكافأة.
وهنا يأتي دور السلطة الرابعة، برلمان الشعب الذي لا يُنتخب ولا يُشترى ولا يُحلّ.
هي البرلمان الدائم الذي لا يعرف الجلسات المغلقة، ولا التصويت الصامت، ولا بيانات المجاملة.
هي التي تشرّع الحقيقة حين يصمت المشرّعون، وتصدر أحكامها بضمير الناس لا بتواقيع الوزراء.
في هذا العالم المزدحم بالسلطات الثلاث — التنفيذية والتشريعية والقضائية — تبقى السلطة الرابعة سلطة الضمير. لا تملك أدوات القوة، لكنها تملك أقوى سلاح: الكلمة.والكلمة الصادقة تزلزل أكثر مما تفعله القوانين. فهي التي تفضح الفساد، وتكشف التواطؤ، وتُبقي الناس على قيد الوعي.
نحن الصحافيين لسنا معارضةً ولا سلطة، بل نحن ميزان الحقيقة بينهما.نكتب لا لنرضي أحدًا، بل لنذكّر الجميع أن من دون رقابة الصحافة لا تكون الدولة دولةً، بل مسرحًا مغلقًا للصفقات والمصالح.
نكتب لأننا نؤمن أن الصمت جريمة، وأن الكلمة حين تُقال في وجه السلطة تُصبح فعلًا من أفعال العدالة.
سنراقب المجلس الجديد لا من باب الخصومة، بل من باب المسؤولية.سنحاسب من حمل اسم الثورة قبل أن نحاسب من حاربها.
سنذكّرهم أن الكراسي زائلة، لكن الكلمة باقية. وأن من جلس على مقعد الشعب، إن لم يسمع صوته، سيبقى عابرًا في تاريخ لا يرحم
السلطة الرابعة هي الضمير الذي لا يُشترو ، لأنه يُحاسب الجميع.
هي الذاكرة التي لا تمحوها البيانات، ولا تُغريها الوعود. هي البرلمان الحقيقي للشعب، في بلدٍ يتغيّر فيه كل شيء… إلا حاجة الناس لمن يقول الحقيقة
Alsharq News الشرق نيوز
https://shorturl.fm/FlafI