فلسفة يوهان كرويف لبناء سوريا
عبد الرحمن طالب
“وصلتني آلاف الرسائل… عفوًا، مئات… أقصد عشرات… حسنًا، هي رسالتان فقط تسألاني عن رأيي بجلسة مجلس الشعب التعريفية.
لكن هذا المقال ليس عنها تمامًا. أردت فقط نشر صورة من المؤتمر لأنها أعجبتني. وفي سياق لربما متصل وجدتني أسأل نفسي لماذا لا يموت يوهان كرويف؟” ..
وماهي فلسفته لبناء سوريا بعد التحرير ؟
كرويف الذي خرج من رحم أمستردام الفقيرة حاملًا ساقين نحيلتين وحلمًا لا يُرى، لم يترك العالم حين توقف قلبه.
لقد تركه حين ملّ من الشرح لنا أن كرة القدم ليست جريًا خلف جلدٍ منفوخ، إنها صناعة نسق حياة كامل.
من هو كرويف إذًا؟
إنه الرجل الذي علمنا أن الاستحواذ ليس تسجيل نسبة أعلى على شريط المباراة، بل أن تجعل خصمك يركض خلف الكرة حتى يتعب قلبه ودماغه وروحه. إنه الذي جعل كرة القدم تمرينًا ذهنيًا قبل أن تكون تمرينًا عضليًا.
وإن سألت لماذا أكتب عنه اليوم، ” لأننا نحتاج في سوريا فلسفة تجعلنا نفكر جماعيًا ونبني بذكاء دون استعجال أو عشوائية.
نحتاجه ليعلمنا كيف نلعب جماعيًا بعد سنوات طوال من اللعب الفردي.
نحتاجه ليخبرنا أن “التيكي تاكا” ليست تمريرات قصيرة عشوائية، هي فلسفة بناء تبدأ من الخلف حتى تصل إلى المرمى دون أن يشعر أحد.
نحتاجه ليقول لنا: “توقفوا عن إرسال الكرات الطويلة توقفوا عن القفز فوق المراحل.
“ابنوا من الصفر، حتى لو كان الصفر مُوحِشًا.”
وعن أفكار كرويف التي لا تموت
سُئل ذات مرة عن سر فلسفته الكروية قال: كرة القدم بسيطة للغاية، لكن لعب كرة القدم البسيطة هو أصعب شيء
لقد اختصر جوهر الحياة بهذه الجملة..
أن تجعل المعقد بسيطًا، أن تحول الفوضى إلى نسق، أن تجعل أحد عشر لاعبًا يفكرون كدماغ واحد دون صراخ أو أوامر عسكرية.
بالنسبة لكرويف، امتلاك الكرة يعني امتلاك القدر.
طالما الكرة في قدميك فأنت حيّ. تمامًا كما أن امتلاك القرار في الحياة هو معنى أن تكون سيدًا لا تابعًا. ولذلك كان يرفض فكرة الدفاع المستميت دون كرة. يقول: “إذا لم يكن لديك الكرة، فماذا لديك؟”
إذا لم يكن لديك القرار اليوم، فماذا لديك سوى وهم الشعارات..
-أعظم من يطبّق فلسفة التحرك بلا كرة هو الذي يفهم دوره في غياب الأضواء. الذين يملؤون المساحات ليخلقوا لزملائهم فرصًا، دون أن تلتقط الكاميرا أسمائهم. هؤلاء هم الجنود الحقيقيون.
وفي سوريا اليوم، التحرك بلا كرة هو أن تعمل دون أن تنتظر التوثيق، أن تسد فراغًا دون أن تصرخ: “انظروا إليّ!”..
كان كرويف يقول: “حين نمتلك الكرة، نفتح الملعب بأقصى ما نستطيع. وحين يفقدها الخصم، نغلق عليه المساحات.”
أليست هذه هي السياسة المثلى؟ أن توسع أفقك حين تبني مشروعك، وأن تُضيق على خصمك حين يهاجمك؟
يكره كرويف الحظ يكره العشوائية يرفض الكرات الطويلة الطائشة.
“ابدأ من حارس المرمى، ابنِ الهجمة خطوة بخطوة، لا تتعجل.”
وفي سوريا ما بعد التحرير، البناء من الخلف يعني ألا تقفز وتستبق الأحداث ألا تحرق المراحل أن تصعد بخطوة بخطوة …
كان كرويف يعلم لاعبيه أن الفراغ أهم من الكرة. الكرة مجرد وسيلة للبحث عن الفراغ، لأن الفراغ هو الذي يصنع الخطورة.
وفي الحياة كذلك: العشوائيون يركضون نحو الزحمة لأنهم لا يطيقون الوحدة. المفكرون يركضون نحو الفراغ لأنهم يصنعون فيه أفكارًا جديدة لا ينافسهم عليها أحد.
في سوريا اليوم كثيرٌ من الناس تلهث وراء التريند وراء الزحام وراء الأضواء ولا تتجه إلى الفراغ لتملأه ..
لأن الزحمة تمنح شعورًا زائفًا بالأهمية، بينما الفراغ يختبر قدرتك على صناعة الأهمية من لا شيء.”
هاجموا المساحات الفارغة ولا تنشغلوا بموضع الكرة على قدر ما تهتم انت في موقعك بالملعب ؛ لأن الكرة كثيراً ما تتنقل .. فلا تلهث وراءها واستمتع بأدوارك بالملعب …
التيكي تاكا المجتمعية
حين أسقط السوريون النظام ، ظنوا أن المباراة انتهت. لكنهم قد بدأوا دوري طويل اخر .
اليوم ونحن نعيش ما بعد التحرير، نكتشف أننا نحتاج إلى فلسفة كرويف
نحتاج إلى:
تمريرات قصيرة بين أبناء الثورة الذين انتشروا في التراب السوري ومراكز القرار أن لا يستسلموا إلى رغباتهم في الأنانية أو إلى انحيازاتهم النفسية و حب الظهور فقط أدي ماعليك …
التحرك بلا كرة:
أن يعمل المخلصون دون انتظار مناصب أو ظهور إعلامي.
أن يفتحوا مساحات لغيرهم.
أن يلعبوا دور بوسكيتس في حياة المجتمع: غير مرئيين للكاميرا، لكن بدونهم قد ينهار كل شيء.
لم يمت يوهان كرويف.
لأن الرجل الذي حوّل كرة القدم إلى عقل جماعي لا يموت.
لو كان هنا بيننا لقال لنا:
“توقفوا عن العشوائية. العبوا بسيطًا، لأن البساطة أصعب. ابنوا من الخلف، لا ترموا الكرة عشوائيًا إلى الأمام. تحركوا بلا كرة. هاجموا الفراغات بدلًا من الازدحام. والأهم… استحوذوا على قلوب الناس، .”
سوريا ما بعد التحرير تحتاج إلى المنهج الكرويفي الخاص ليحول فوضى اللاعبين إلى تيكي تاكا.
إلى من يعلمهم أن لعب الكرة الطويلة هو قمار، وأن البناء من الخلف هو تخطيط.
إلى من يقول لهم:
“العبوا معًا… أو اخسروا معًا.”
لم يمت يوهان كرويف
لأنه “حين يتوقف قلب الفيلسوف لا يعني ذلك أنه توقف عن صناعة الحياة
تذكروا… سوريا تحتاج اليوم إلى من يفكرون ككرويف، لا إلى من يركضون خلف الكرة فقط.
Alsharq News الشرق نيوز