سُورِيَا حُلْمٌ بَاقٍ أَمْ كَابُوسٌ لَا يَنْتَهِي؟
أحمد السالم
في سماء الوطن ، حين تتبعثر النجوم وتهتز الأرض تحت وطأة الحديد والنار ، تُنسج فصول جديدة من تاريخ لا يعرف السكون . لم يكن فجر الثامن من كانون الأول 2024 مجرد نهاية لطاغية جلس على عرش الدم لعقود ، بل كان فجراً لوطن يحاول أن ينهض من رماده ، فإذ بالصواريخ الإسرائيلية تمطره كل ليلة وكأنها تعاقبه على حلمه بالحرية .
منذ لحظة تحرير دمشق ، لم تهدأ طائرات تل أبيب ، وكأنها في سباق مع الزمن لتكتب شروطها بالقنابل قبل أن تعود سوريا لتقف على قدميها . 50 غارة في أسبوعين ، 70 غارة في ستة أسابيع ، ثم عشرات أخرى امتدت من الجنوب إلى الشمال ، استهدفت المطارات ، ومخازن السلاح ، ومراكز البحوث ، وحتى الأبنية المدنية التي لم يبقى منها إلا ظلها لم تسلم . المرصد السوري لحقوق الإنسان يتحدث عن أكثر من 500 ضربة حتى آذار 2025 ، و 43 ضربة من آذار إلى نيسان 2025 ، بينما يحصي ناشطون أكثر من 31 غارة خلال أيام عيد الفطر الماضي فقط ، بالإضافة لتوغل بري مستمر ، وإنزالات متعددة في الجنوب السوري ، أسفر عن وقوع عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين الذين آثروا الصمود والتصدي ، وكأن إسرائيل تحاول رسم حدود جديدة لا بالحبر ، بل بالرصاص الذي لا يمحى .
لكن ، ما الهدف من هذا العنف المجنون ؟
إسرائيل كما كانت دائماً ، تعرف ماذا تريد ، ومتى تضرب . لم تكن الغارات مجرد ردود فعل ، بل سياسة مدروسة تهدف إلى فرض واقع لا يمكن تغييره . فهي تريد جر القيادة السورية الجديدة إلى طاولة المفاوضات ، لا كندّ ، بل كمهزوم ، لتفرض عليها سلاماً مشروطاً يضمن لها صك ملكية دائم للجولان السوري المحتل ، ويجعل من فكرة السيادة السورية على كامل ترابها نُكتةً بائسةً في كتب التاريخ . تُريدها دولةً مُنهكةً ، تُعاني الفقر والفوضى ، تتوسل المساعدات منكسرة ولا تفكر في التطور . تُريد لها جيشاً منزوع الأنياب ، فلا طائرات تحلق إلا بموافقتها ، ولا صوت يعلو في المنطقة إلا بإذن منها .
وفي الوقت الذي يحاول فيه السوريون تضميد جراحهم ، والنهوض بوطنهم ، وإعادة بناء منازلهم التي هدمتها مخالب الأسد الساقط المنزوعة ، تأتي الغارات لتذكّرهم بأن الحاضر ليس أقل دموية من الماضي . تُستهدف المشاريع التي يمكن أن تعيد الحياة ، تُضرب محطات الكهرباء والماء ، والمصانع ، وحتى الورش الصغيرة التي بدأت تشق طريقها وسط الخراب . كأن هناك من يريد أن تبقى سوريا دائماً تحت الركام ، دولة لا تتعافى ، وشعباً لا ينهض .
لكن اللعبة أكبر من ذلك بكثير . في الجنوب السوري ، حيث تقف درعا شامخةً على سهلها ، متصدية للإطماع الإسرائيلية ، فاصلة بين أحلام اليقظة لوصل الهضبة المحتلة والجبل الملون لصالح إسرائيل ، يترصد بني معروف هذا المشهد ، وبعضهم يستجدي إسرائيل ، بشيخهم الذي لا يعقل ، والذي ينطق بما لا يؤمن . إسرائيل التي لطالما إدعت حرصها على “الأقلية الدرزية” ، لم تحرك ساكناً حين جاعت السويداء سابقاً بسبب حصار النظام الساقط لها ، لكنها الأن تفتح قنواتها مع بعض زعمائها المتلونين ، وتبحث عن موطئ قدم جديد ، أو ربما جيب إنفصالي يخدم استراتيجيتها . في الوقت نفسه ، هناك فلول الهارب ، أولئك الذين لم يصحوا من سكرتهم ، ولم يعترفوا بالهزيمة بعد ، ويبحثون عن أي ثقب للعودة . بعضهم يتسلل تحت عباءة إيران المطرودة ، وبعضهم يبيع خدماته لمن يدفع أكثر كالبغاء ، وإسرائيل تراقب وتستغل ، لا تريد جار قوي ومستقل ويعرف طعم الحرية والكرامة .
أما العالم ، فيكتفي بمراقبة المشهد كما لو كان فيلماً وثائقياً عن حرب بعيدة خارج الكوكب .
وزير الدفاع الإسرائيلي يُخنخِن عن “الحق في الدفاع عن النفس” ، وكأن قصف سوريا المدمرة حقٌ إلهي مُنح لهم . موسكو تندد ببيانات فارغة غير مسموعة ، واشنطن تساوم صامِتةً تنتظر صرة الدنانير لتقول كلمتها ، بينما تواصل دعمها لتل أبيب في سحق غزة أو ما تبقى من فلسطين حقيقتاً . أما الأمم المتحدة ، فتسجل أرقام القتلى ، وتدعو إلى “ضبط النفس” ، وكأن القنابل يمكن أن تستمع إلى البيانات الدبلوماسية وتنصاع لها .
لكن السؤال الحقيقي ليس عن الإعتداءات ، بل عن ما يتلوها .
سوريا رغم كل شيء ، لم تمت . هناك من يحاول أن يبني ، أن يحلم ، أن يعيد ترتيب الحجارة واحدة تلو الأخرى . لكن هل يمكن لبلد أن يقوم من تحت الركام بينما السماء تُمطره نيران ؟ هل يمكن لسوريا أن تعيد بناء نفسها بينما هناك من يُصرّ على إبقائها ساحة حرب دائمة ؟
ربما الإجابة ليست عند الساسة ، بل عند الذين ، رغم كل شيء ، لم ينسوا كيف يحلمون .