الإقتصاد السوري بين مطرقة الواقع وسندان الآمال
أحمد السالم
كان المشهد أشبه بخروجٍ طويل من نفقٍ مظلم .
في مساء الثامن من كانون الأول 2024 ، أُسدل الستار على فصلٍ دامٍ من تاريخ سوريا ، وباتت البلاد أمام امتحان صعب .
كيف يمكن لبلدٍ تقطعت أوصاله أن ينهض من تحت الرماد ؟ وكيف يُمكن للناس أن يعيدوا ترتيب أحلامهم بعد أن عاشت أجيال كاملة على هامش الحياة ؟
إرث الخراب والاقتصاد المُنهار
ورثت الحكومة الجديدة المؤقتة سوريا مُثقلةً بأوزار الماضي ،اقتصاد منهار ، مدن أشبه بالمقابر الإسمنتية ، وأناس فقدوا القدرة على التفاؤل .
البنية التحتية التي لم يُبقِ النظام البائد فيها حجراً فوق حجر ، كانت تنتظر معجزةً كي تُبعث من جديد .
كل الأرقام تُشير إلى انهيار كارثي ، تضخم وصل إلى مستوياتٍ جنونية ( تجاوزت 16 ألفاً بالمئة وفقًا لأرقام كشفتها جهات تابعة للنظام السوري البائد بين عامي 2011 و 2023 ) ، عملة منهارة تبحث عن شيء من كرامتها ، أسواق خاوية ، وشعب اعتاد طوابير الذلّ حتى ظنها جزءاً من يومياته ،لكن وكما يقال ، ليس أمام الغريق سوى أن يتعلم السباحة .
الدعم العربي والإقليمي والدولي : ريح أم رياح جديدة تهبّ على سوريا ؟
لم تكن سوريا لتقف وحدها دون عمقها العربي والإسلامي ، فالدول الشقيقة التي رأت في سقوط الطاغية فرصة لإعادة رسم مستقبل علاقتها بالشعب السوري ، لم تتردد في مدّ يد العون . قطر والسعودية وتركيا أول من قدّم دعماً مالياً ولوجستياً سريعاً ، فيما كان مؤتمر بروكسل للمانحين لعام 2025 مخيباً للآمال بعض الشيء ، حيث تعهدت الدول المانحة بتقديم 5.8 مليار يورو ، منها 4.2 مليار يورو كمنح ، و 1.6 مليار يورو كقروض ، تجدر الإشارة إلى أن المساعدات المقدمة ستُنفذ عبر الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية دون تدخل الحكومة السورية ، وذلك لضمان وصول المساعدات بشكل فعّال وشفاف بحسب زعمهم .
فجاء ذلك أقل من المتوقع مع الأخذ بعين الإعتبار أن الدعم المقدم بالعام السابق تجاوز 7.5 مليار يورو ومع العلم أن ثلثي الدعم يذهب لرواتب موظفي المنظمات رغم ذلك ، المال وحده لا يكفي ، فالعقول هي التي تبني ، والأيدي هي التي تزرع وتحصد .
مُهجروا سوريا “نحن لها”
وكأن المنافي لم تُطفئ جذوة الانتماء ،كان على السوريين أنفسهم أن يكونوا جزءاً من عملية النهوض ، وألا ينتظروا معجزةً تهبط عليهم من السماء .
اندفع السوريون في الخارج لدعم أهلهم في الداخل ، من صيانة المدارس والمشافي ، إلى إعادة إنارة الطرق وتنظيف الشوارع ، حملات التبرع كانت تتدفق وكأن القلوب التي غادرت البلاد لم تغادرها أبداً .
شباب جمعوا ما استطاعوا ، وأطلقوا مبادراتٍ لم تنتظر أوامر الحكومات ، لأن سوريا لم تعد تملك رفاهية الانتظار .
إنجازات رغم المعوقات
رغم التحديات ، بدأ التغيير يُرى بالعين المجردة .
البنية التحتية بدأت بالتعافي ببطء ، الأسواق استعادت بعضاً من نشاطها ، والمرافق الأساسية عادت للعمل تدريجياً .
لن يكون الطريق سهلاً أبداً ، فالخراب الذي تركه النظام الساقط لم يكن مجرد دمار في الجدران ، بل كان دماراً في النفوس والعقول ،لكنها سوريا ، رغم الحروب والمآسي ، لا تموت بسهولة ، وتنهض من رمادها .
الحكومة الجديدة بعد المؤقتة
مع تسريبات تشكيل الحكومة الجديدة ، يتساءل السوريون : هل ستُصلح ما فسد طيلة 54 عاماً ؟ هل ستكون حكومة بناء لا حكومة وعود ؟ التجربة الأخيرة المتمثلة بالحكومة المؤقتة كانت مشجعة ، فرغم الخراب السابق إستطاعت تجاوزت متاهات البيروقراطية والمصالح الضيقة إلى حد كبير .
اليوم أمام الحكومة الجديدة فرصة نادرة لتثبت أنها تستحق ثقة الناس .
التحدي الحقيقي ليس في إدارة الملفات السياسية فقط ، بل في إعادة بناء علاقة المواطن بالحكومة .
الشعب السوري الذي فقد ثقته بكل ما هو رسمي ، يحتاج إلى أفعال لا أقوال ، إلى مشاريع ملموسة لا بياناتٍ صحفية فارغة .
هل نشهد ربيعاً جديداً أم شتاءاً لا ينتهي ؟
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً ليصلوا إلى هذه اللحظة .
السنوات الطويلة من القهر والجوع والتشرد ، لن تُمحى بسهولة .التحدي اليوم ليس فقط في إعادة الإعمار ، بل في إعادة بناء الإنسان السوري نفسه أيضاً .
سوريا اليوم تقف عند مفترق طُرق : إما أن تستفيد من الفرصة التاريخية المتاحة ، أو تعود إلى مستنقع الفوضى والفساد ،القرار ليس بيد الحكومة وحدها ، بل بيد كل سوري قرر ألا يسمح لماضي الطغيان أن يتحكم بمستقبل البلاد بعد الآن .
التاريخ لا يرحم المُترددين ، وسوريا لا تحتمل مزيداً من الضياع .