الثلاثاء , أبريل 1 2025
الرئيسية / اقتصاد / الإقتصاد السوري بين مطرقة الواقع وسندان الآمال

الإقتصاد السوري بين مطرقة الواقع وسندان الآمال

الإقتصاد السوري بين مطرقة الواقع وسندان الآمال

أحمد السالم 

كان المشهد أشبه بخروجٍ طويل من نفقٍ مظلم .
في مساء الثامن من كانون الأول 2024 ، أُسدل الستار على فصلٍ دامٍ من تاريخ سوريا ، وباتت البلاد أمام امتحان صعب .
كيف يمكن لبلدٍ تقطعت أوصاله أن ينهض من تحت الرماد ؟ وكيف يُمكن للناس أن يعيدوا ترتيب أحلامهم بعد أن عاشت أجيال كاملة على هامش الحياة ؟


إرث الخراب والاقتصاد المُنهار

ورثت الحكومة الجديدة المؤقتة سوريا مُثقلةً بأوزار الماضي ،اقتصاد منهار ، مدن أشبه بالمقابر الإسمنتية ، وأناس فقدوا القدرة على التفاؤل .
البنية التحتية التي لم يُبقِ النظام البائد فيها حجراً فوق حجر ، كانت تنتظر معجزةً كي تُبعث من جديد .
كل الأرقام تُشير إلى انهيار كارثي ، تضخم وصل إلى مستوياتٍ جنونية ( تجاوزت 16 ألفاً بالمئة وفقًا لأرقام كشفتها جهات تابعة للنظام السوري البائد بين عامي 2011 و 2023 ) ، عملة منهارة تبحث عن شيء من كرامتها ، أسواق خاوية ، وشعب اعتاد طوابير الذلّ حتى ظنها جزءاً من يومياته ،لكن وكما يقال ، ليس أمام الغريق سوى أن يتعلم السباحة .


الدعم العربي والإقليمي والدولي : ريح أم رياح جديدة تهبّ على سوريا ؟

لم تكن سوريا لتقف وحدها دون عمقها العربي والإسلامي ، فالدول الشقيقة التي رأت في سقوط الطاغية فرصة لإعادة رسم مستقبل علاقتها بالشعب السوري ، لم تتردد في مدّ يد العون . قطر والسعودية وتركيا أول من قدّم دعماً مالياً ولوجستياً سريعاً ، فيما كان مؤتمر بروكسل للمانحين لعام 2025 مخيباً للآمال بعض الشيء ، حيث تعهدت الدول المانحة بتقديم 5.8 مليار يورو ، منها 4.2 مليار يورو كمنح ، و 1.6 مليار يورو كقروض ، تجدر الإشارة إلى أن المساعدات المقدمة ستُنفذ عبر الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية دون تدخل الحكومة السورية ، وذلك لضمان وصول المساعدات بشكل فعّال وشفاف بحسب زعمهم .
فجاء ذلك أقل من المتوقع مع الأخذ بعين الإعتبار أن الدعم المقدم بالعام السابق تجاوز 7.5 مليار يورو ومع العلم أن ثلثي الدعم يذهب لرواتب موظفي المنظمات رغم ذلك ، المال وحده لا يكفي ، فالعقول هي التي تبني ، والأيدي هي التي تزرع وتحصد .


مُهجروا سوريا “نحن لها”


وكأن المنافي لم تُطفئ جذوة الانتماء ،كان على السوريين أنفسهم أن يكونوا جزءاً من عملية النهوض ، وألا ينتظروا معجزةً تهبط عليهم من السماء .
اندفع السوريون في الخارج لدعم أهلهم في الداخل ، من صيانة المدارس والمشافي ، إلى إعادة إنارة الطرق وتنظيف الشوارع ، حملات التبرع كانت تتدفق وكأن القلوب التي غادرت البلاد لم تغادرها أبداً .
شباب جمعوا ما استطاعوا ، وأطلقوا مبادراتٍ لم تنتظر أوامر الحكومات ، لأن سوريا لم تعد تملك رفاهية الانتظار .


إنجازات رغم المعوقات


رغم التحديات ، بدأ التغيير يُرى بالعين المجردة .
البنية التحتية بدأت بالتعافي ببطء ، الأسواق استعادت بعضاً من نشاطها ، والمرافق الأساسية عادت للعمل تدريجياً .
لن يكون الطريق سهلاً أبداً ، فالخراب الذي تركه النظام الساقط لم يكن مجرد دمار في الجدران ، بل كان دماراً في النفوس والعقول ،لكنها سوريا ، رغم الحروب والمآسي ، لا تموت بسهولة ، وتنهض من رمادها .


الحكومة الجديدة بعد المؤقتة

مع تسريبات تشكيل الحكومة الجديدة ، يتساءل السوريون : هل ستُصلح ما فسد طيلة 54 عاماً ؟ هل ستكون حكومة بناء لا حكومة وعود ؟ التجربة الأخيرة المتمثلة بالحكومة المؤقتة كانت مشجعة ، فرغم الخراب السابق إستطاعت تجاوزت متاهات البيروقراطية والمصالح الضيقة إلى حد كبير .
اليوم أمام الحكومة الجديدة فرصة نادرة لتثبت أنها تستحق ثقة الناس .

التحدي الحقيقي ليس في إدارة الملفات السياسية فقط ، بل في إعادة بناء علاقة المواطن بالحكومة .
الشعب السوري الذي فقد ثقته بكل ما هو رسمي ، يحتاج إلى أفعال لا أقوال ، إلى مشاريع ملموسة لا بياناتٍ صحفية فارغة .


هل نشهد ربيعاً جديداً أم شتاءاً لا ينتهي ؟


لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً ليصلوا إلى هذه اللحظة .
السنوات الطويلة من القهر والجوع والتشرد ، لن تُمحى بسهولة .التحدي اليوم  ليس فقط في إعادة الإعمار ، بل في إعادة بناء الإنسان السوري نفسه أيضاً .

سوريا اليوم تقف عند مفترق طُرق : إما أن تستفيد من الفرصة التاريخية المتاحة ، أو تعود إلى مستنقع الفوضى والفساد ،القرار ليس بيد الحكومة وحدها ، بل بيد كل سوري قرر ألا يسمح لماضي الطغيان أن يتحكم بمستقبل البلاد بعد الآن .

التاريخ لا يرحم المُترددين ، وسوريا لا تحتمل مزيداً من الضياع .

شاهد أيضاً

لبنان وأزمة الداخل السوري: أين الأولوية ؟

 لبنان وأزمة الداخل السوري: أين الأولوية ؟ عبد الله عبدون ✍🏻. ما يجري اليوم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + ثمانية عشر =