الإثنين , مايو 25 2026
الرئيسية / كلام سوريين / خواطر كولونيل منشق

خواطر كولونيل منشق

الفصل الثالث

المعتز الخضر

عندما ربحتُ مئتَي مليون ريال و ضربت شريف شحادة بكُندرة السِّفتي..أثناء حديثي مع القاضي سيردار و بقية زُملائِهِ فتحَ أحد الحُرّاس باب الفُسحة و أخبرهم أنّ فترة الاستراحة انتهت.. خرجَ الجميع من الفُسحة إلى الكوريدور.. كان القُاضي سيردار و القاضي ياڤوس و النائبين العامّين أتماجا و كنعان يُقيمون كُل واحد في غرفة كغرفتي لكن في الطابق الثاني.. بعد الغداء عاد الجميع إلى الفُسحة و تابعنا الحديث باللغة الإنكليزية و بعض الكلمات التركية التي أسعفتني ذاكرتي في حِفظها من دروس الآنسة الاستمبوليّة نوراي التي كانت تعطينا دروس اللغة التركية في مدرسة المخيّم أثناء تدريسي لطلّاب الصف الرابع هناك.. قال لي القاضي سيردار هل تريد الخروج إلى الفُسحَة مثلنا؟ قُلتُ لهُ نعم أتمنّى ذلك و أتمنّى أن نتحدث و نحن نسير في الشمس.. فضحك و قال :لا لا لا يمكنك الخروج معنا بل تخرج لوحدك لكن نستطيع التحدّث معك من نوافذ غُرفنا في الطابق الثاني.. فسألتُهُ لماذا لا أستطيع الخروج معكم؟ قال هذا هو القانون لأنّ قضيتك غير قضيّتنا.. لا يجتمع أصحاب قضايا مختلفة في فترة الفسحة.. ثمّ أشار لي إلى الغُرَف التي على يميني و على يساري و قال في هذه الغُرَف يوجد شخصين من المافيا قضيّتهم القتل و أحدهما قاتل أربع أشخاص و هما محكومان مؤبّد أربع و ثلاثين سنة لذلك يخرجان للفُسحة معاً.. أمّا أنت فتخرج لوحدك.. ثمّ مدَّ يدهُ من خلال النافذة و قال لي :أنظر هناك عند باب الغرفة على اليسار يوجد زِرّ صغير، عندما تُريد الخروج فُسحة اضغط ذلك الزرّ سيرنّ جرس عند الحُرّاس و سيأتي أحدهم.. عندما يأتي قُلّ لهُ : هاڤالاندِرما.. هو سيفهم و سيُخرجك.. بعد أن انتهت فترة فُسحتهم ضغطتُ على ذلك الزرّ فجاءَ أحد الحُرّاس و فتح الشرّاقة كان شكل ذلك الحارس يذكّرني بالصديق الطالب الحقوقي إياد الدندل لهً ذات الوجه الوَنِس الصّبوح .. قُلتُ لهُ هاڤالاندِرما.. فقال : تمام.. فتحَ الباب و قال گال ألباي گال.. قام بتفتيشي و قال ضع باكيت الدخان و القداحة عند النافذة و عندما تخرج إلى الفسحة تستطيع استعمالهما من هناك.. رِحتُ أمشي تحت الشمس ذِهاباً و إيّاباً بينما أطلَّ القُضاة من نوافذ غُرَفِهِم و تابعنا حديثنا.. كانوا يسألون عن الأوضاع في سورية و عن ممارسات النظام.. سألوني عن شخصيات الإسلام التاريخية و عن أحداث قرأوا عنها من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم و عن القضاء في سورية و أمور سياسية و اجتماعية و اقتصادية.. عن العادات و التقاليد و أشياء كثيرة.. بعد ساعتين فتح ذلك الحارس الباب و قال : ألباي هاڤالاندِرما بِتّييه.. الاستراحة انتهت.. أعادني عبر الكوريدور إلى الغرفة.. و قبل الدخول في مَمَرّ الغرفة استوقفهُ حارس آخر و همس في أذنهِ ثمّ أكملنا السير إلى الغرفة.. فتح باب الغرفة و قام بتفتيشي مرّةً ثانية و عندما دخلت الغرفة.. قال : ألباي.. التفتُّ إليه فناولني عُلبة بلاستيكيّة (قروانَة) كما يُسَمّونها و أشار لي بأنّ هذه من ذلك الحارس الذي تهامَسَ معهُ في الكوريدور.. ثمّ أغلق الباب و غادر.. جلستُ على السرير و فتحت العُلبة.. كان فيها مئتا سيگارة و فوقها قُصاصة ورق كُتِبَ عليها بالعربي لكن بخطّ و لُغَة متواضعة :” أنا أخوك تورشان أنا أصلي اعرُبي مثلك هذن سيگارات إلك و بس يخلصن أجيبلك غيرهِن و الله يفرّج عنّك”ما أن أنهيتُ قراءة تلك الورقة حتّى سالت دموعي و قُلت في نفسي سبحان الله هذا لا يعرفني لكن أصلهُ العربي دَفَعَهُ لهذا الفعل بينما أولئكَ الذين تربطني بهم صلة الدمّ و القُربى و ربما جمعنا الخبز و المِلح و آجروا بيّ و خانوا صلة الرحم و أوردوني هذا المَورد.. في المساء حَلَّ وقت العَشاء.. كُنتُ أُصلّي المغرب عندما فُتِحَت الشرّاقة و صوت أحدهم يقول يَماك يَماك.. الطعام الطعام.. انتظرني حتى أنهيت صلاتي.. كانَ حارساً جديداً و معهُ أحد الطبّاخين و هو يدفع بعربية الطعام و يرتدي طاقية الطبّاخين و قفّازات في يدهِ.. و قال طَباق طَباق.. هات الصحون.. ناولتهُ الصحون و ملأها و ناولني صمّونة كبيرة.. ثمّ تابع بدفع العربية في الكوريدور.. بينما بقي ذلك الحارس ينظر إليّ.. ثم قال أنت الألباي السوري قلتُ له نعم قال أنت تتكلّم الإنكليزية كما سمعت قلت له نعم فقال و أنا كذلك ثم تابع الحديث بالانكليزية و قال : ألباي رأيتك تصلّي على البطّانية.. انتبه هذه البطّانية عليها علم الجمهورية التركية و ممنوع وضعها على الأرض.. عندما تصلّي ضع أحد الشراشف.. أعلم أنّك لا تعلم بأنّ ذلك ممنوع لكن الآن أصبح عندك عِلم.. فهذا يستوجب عقوبة إن رآك أحد.. ثمّ قال إذا احتجت شيء فقط قُلّ للحارس أريد التحدّث إلى ألبا فقط اضغط الزرّ و قُلّ أريد ألبا سآتي إليك فوراً.. ثم قال السلام عليكم و غادر… في صباح اليوم التالي قال لي القاضي سيردار : غداً يوم التسوّق فهل تحتاج شيء من الكانتين؟ قلت له لم أفهم؟ قال في كل أسبوع هناك يوم تسوّق تكتب ورقة بكل ما تريده من السوق سواء من السجن أو خارج السجن و سيقومون بشرائِهِ لك.. حتى الطعام الجاهز إن أردت كيباب أو شاورما.. لكن يجب أن يكون لديك حساب يعني نقود في حسابك في إدارة السجن.. قُلتُ له ليس لدي نقود و لم يأتِ أحد لزيارتي.. فقال لا تهتم سيأتون لزيارتك فإدارة السجن مُجبَرَة قانونيّاً من أول يوم تدخل فيه السجن بالاتصال بعائلتك و إخبارهم بوضعك و بمكان وجودك لا يستطيعون إخفاء ذلك، كما أنّ المحكمة فور توقيفك تضع لك خُطّة زيارة لعائلتك لا تقلق.. أمّا التسوّق غداً فسيكون على حسابنا هذه المرة فاكتب ما تريد.. قلتُ لهُ لا أريد فقط الدخّان.. و في اليوم التالي ظهراً أحضروا لي كيس دخّان كبير مع ماكينة تعبئة و عُلبتي فلاتر و قدّاحة و طرد ماء صحّة و طقمين لباس داخلي.. و أثناء حديثي معهم فُتِحَ باب الفُسحة و دخل نائب مدير السجن (ذلك الشاب الشّبيه باللّاتينيين) و معهُ شخص آخر..#يتبع

شاهد أيضاً

ليل وفرات وثورة

قصة قصيرة حسن محمد العمير كان الليلُ في دير الزور يُشبه سفينةً مكسورةً على ضفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *