التفاهة الجميلة
د. أنس الفتيح
في سنوات الجامعة، كنا نصاب بين الحين والآخر بهوايات جماعية لا تدوم طويلا.
مرة كان يصيبنا الهوس بقراءة الروايات، ومرة أخرى بمتابعة الأفلام، ومرة بالتصوير.وفي أحد الفصول الدراسية، صرنا، من دون مقدمات، من رواد الندوات الشعرية.
كنا نحضر كل الندوات الشعرية في الجامعة، والأمسيات في اتحاد الكتاب العرب والمركز الثقافي، ثم نجلس بعدها لنمارس دور النقاد الكبار، حيث نوزع الأحكام الأدبية بثقة من يملك مفاتيح الشعر العربي.
هذا شاعر يدفن مع أول ديوان، وذاك مشروع متنبي جديد، وثالث لا يجوز أن يسمح له بالاقتراب من المنصة مرة أخرى. كنا نتناقش وكأننا لجنة توزيع جوائز نوبل.
هل كانت القصائد جيدة؟
هل كان الشاعر موهوبا؟
وهل استحق الأمر أن نضيع ساعتين من أعمارنا في المتابعة؟
إلى أن جاءت تلك الندوة.
اعتلت المنصة شاعرة من ذلك النوع الذي يجعل الصفوف الأولى تستقيم تلقائياً، ويدفع المتأخرين إلى البحث عن مقعد أقرب. كانت فاتنة إلى درجة أن القصيدة نفسها دخلت القاعة وهي تعلم أنها ستخوض منافسة خاسرة.
بدأت الإلقاء بكل ثقة، بينما كانت البلاغة الحقيقية في حضورها لا في أبياتها. وحين انتهت، اكتشفنا أننا نتذكر خصلات شعرها أكثر مما نتذكر بيتا واحداً من شعرها.ثم بدأ نقاشنا المعتاد.
وللمرة الأولى تقريباً، اتفقنا جميعنا على أن الشعر ضعيف، والصور مستهلكة، والمعاني هزيلة، والقصائد لا تترك في الذاكرة أثراً.
لكن عندما سأل أحدنا السؤال الأخير:”هل كانت الندوة تستحق الحضور؟
“أجاب الجميع تقريبا:”طبعا!”
كنا نعرف أن الشعر سيئ، ومع ذلك خرجنا سعداء. لم نكن نكافئ الجودة، بل كنا نكافئ الجمال.كنا لاحقا نستذكر القصة بكثير من الضحك والغمز واللمز.
لكنني كنت أظن أن ما حدث يومها مجرد نزوة شباب، وطيش عابر يرافق سنوات العمر الأولى ثم يختفي عندما يكبر الإنسان.
اكتشفت لاحقاً أنه نظام حياة.
يقول آلان دونو في كتاب “نظام التفاهة”: إن التفاهة ليست مجرد غياب للجودة، بل منظومة كاملة تعيد تشكيل أذواقنا وقيمنا، وتجعلنا نستمتع بما نعرف أنه فارغ، فقط لأنه يبدو جميلاً.
والبارحة، ومع إعلان قائمة أسماء ثلث الرئيس في مجلس الشعب، عادت إلي ذكريات تلك الندوة بقوة.فبين الأسماء برز اسم ممثلة يعرفها الجمهور بحضورها الجماهيري وبصورتها اللامعة في وسائل التواصل الاجتماعي، أكثر مما يعرف لها رأيا سياسيا، أو مشروعا فكريا، أو تجربة في الشأن العام.
لا أحد يتذكر لها دورا في سنوات الثورة وما تلاها، ولا مساهمة في العمل السياسي، ولا حضورا في النقاشات الوطنية، ولا حتى في النقاشات الفنية. ومع ذلك، يبدو أن الطريق من وسائل التواصل إلى قبة البرلمان أصبح أقصر من الطريق إلى أي تجربة سياسية حقيقية.
ربما لم يتغير شيئاً منذ أيام الجامعة.المضمون متواضع. والصورة جذابة.
لكن الفارق أن تلك الشاعرة لم يكن يتابعها سوى مئات جاءوا طواعية ليستمعوا إلى القصائد، ثم عاد كل واحد منهم إلى بيته.
أما اليوم، فالمشهد يطال شعبا كاملا، ينتظر الخبز، والوقود، وفرص العمل، والتنمية، وإعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب.
وليس مجلس الشعب سوى أحدث مسارح هذا المشهد. فالقصة أكبر من مقعد نيابي، وأوسع من اسم ممثلة. نحن نعيش زمنا تقاس فيه القيمة بقدرة الشخص على لفت الأنظار أكثر من قدرته على صناعة الأفكار، وتفتح فيه الأبواب لمن يحسن الظهور أكثر ممن يحسن العمل. إنها العدوى نفسها التي خرجت من منصات الترفيه، ثم تسللت إلى الإعلام، والثقافة، والاقتصاد، وانتهى بها المطاف في السياسة.
لذلك لم تعد التفاهة استثناء، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، شرطاً غير مكتوب للنجاح.الفرق أننا فعلنا ذلك يوما بوصفه طيشاً شبابياً، بينما أصبح اليوم يمارس بوصفه أسلوباً في إدارة الشأن العام.لقد تحولت التفاهة من نزوة إلى منهج، ومن استثناء إلى قاعدة، ومن ذوق شخصي إلى معيار للاختيار.في زمن أصبحت فيه الكفاءة تفصيلاً يمكن تجاوزه، والخبرة عبئاً، والمعنى ترفاً، لم يبق لنا إلا أن نستمتع بحسن الإخراج.
ما دام النص لم يعد يعني أحداً.لذلك، إذا كان لا بد من التفاهة ,فلتكن، على الأقل……تفاهة جميلة.
ملاحظة الغلاف مولد بالذكاء الصناعي
Alsharq News الشرق نيوز