الفصل الرابع
المعتز الخضر
عندما ربحتُ مئتَي مليون ريال و ضربتُ شريف شحادة بگُندرة السِّفتي…
دخل نائب مدير السجن ذلك الشاب الذي رأيتُهُ في صباح دخولي السجن في مكتب الباش مامور (رئيس الحراسات) و الذي أمَرَ بوضعي في غرفة لوحدي (تِكّ) كما قال.. و دخلَ معهُ الفُسحة شخص آخر.. ألقى السلام على القاضي سيردار و بقية زملائهِ.. الجميع ردَّ عليه السلام بشكل مقتَضّب ما عدا القاضي سيردار لم يرُدّ و بدا منزعجاً و احمَرّ وجهُهُ.. كان نائب مدير السجن ذو وجه طفولي و هو يبتسم دائماً.. التفّ الجميع حولهُ و بدأوا يتحدّثون باللغة التركية و تتردّد كلمة قاووش أكثر من مرّة.. و فجأة اقتربَ منهُ القاضي سيردار و قال لهُ بغضب : سان زالِم زالِم أنت ظالم ظالم.. هذه فهمتها عندما قالها فتراجعت عن النافذة و جلست على السرير و صرتُ أُراقبهم و أستمع إليهم من بعيد.. كان الحديث متوتّر جداً بينهم لكنّ نائب مدير السجن ظلَّ هادئاً و مبتسماً و يبدو أنّهُ يُحاول تهدئة القاضي سيردار.. بعد حوالي نصف ساعة من الحديث قال له القاضي سيردار كلمة سورياليِ.. و أشارَ إلى نافذة غرفتي.. فاقترب نائب مدير السجن من النافذة و قال : ناسِلسِن ألباي؟ كيف حالك يا عقيد؟ قلتُ لهُ الحمد لله باشقان.. و بدأ يتحدّث معي فقال له القاضي سيردار إنّهُ لا يفهم التركية.. فراح سيردار يترجم بيني و بينهُ.. و قال لي سيردار أنا أقول له هذا السوري ليس لديه نقود و لا يعلم إن كانت عائلتهً تعلم مكانهُ أو هل سيزورهُ أحد و يجب أن يتّصل بعائلتهِ.. راح نائب مدير السجن يتحدّث مع سيردار.. فقال لي سيردار : نائب مدير السجن يقول أنّهم من اليوم الأول تواصلوا مع عائلتك و هي تعلم أنّكَ هُنا و أنهم طلبوا من عائلتك مراجعة محكمة شانلي أورفا للحصول على برنامج الزيارة.. ثمّ قال نائب مدير السجن كلمة تلفون.. فقال لي سيردار يريد منّك رقم هاتف لأحد أفراد عائلتك و أخرج الشخص المرافق لنائب مدير السجن ورقة و قلماً و قال لي اكتب الرقم.. كتبت الرقم و ذهب الشخص المرافق و بعد عشر دقائق عاد و قال لي أنّهُ اتّصَل بعائلتي و أنهم حصلوا على برنامج الزيارة و سيأتون قريباً.. غادرَ نائب مدير السجن الفُسحة و أكملت الحديث مع القاضي سيردار و سألتهُ ماذا هناك؟ قال نحنُ طالبنا أن يجمعوننا جميعاً في قاووش واحد (طبعاً كانوا متّهمين بالتعاطف مع الإنقلابيين).. و قال إلى الآن لم يضعونا في قاووش واحد بل وضعونا في غُرف متفرّقة.. فسألتُهُ أليس الغرفة أفضل؟ قال لا القاووش أفضل بكثير.. كان الحُرّاس كلما جاؤا إلي غرفتي يُحيّوني مازحين بطريقة تشبه التحيّة العسكرية و أنا أردّ عليهم بتحيّة عسكرية قوية فأعجبهم الأمر و يبدو أنّهم تناقلوا ذلك بينهم فصرت عندما أسير في الكوريدور إلى ساحة التنفّس أو أعود أرى العديد منهم من بعيد ينادوني ألباي ثم يُحيّوني و هم يبتسمون و أنا أردّ عليهم التحيّة حتى أحسست أنّ الكثير منهم يختارون المناوبة في الجناح ب فقط لنتبادل التحيّة.. لقد كانوا شُبّان لُطفاء.. و في إحدى المرّات رآني سيردار أتبادل معهم التحيّة العسكرية.. فقال لي : أنت لستَ مُجبر على تحيّتهم ولكن يبدو أنّ الحُرّاس أحبّوك و هذا شيء جيّد لك فحافظ على مودّتهم.. فقلت له و هل هناك فائدة من ذلك فربما سأمَلّ يوماً و يملّون هم أيضاً فكُثر السلام يقِلّ المعرفة.. قال لا هذا جيد إذا أحبّوك ستشعر بالراحة و سوف يساعدونك في أشياء كثيرة.. مثلاً يحقّ لك أن تتّصل بعائلتك كل أسبوع عشر دقائق فإذا أحبّكَ الحُرّاس فهذا يعني أنّ العشر دقائق ربما تصبح عشرين أو أكثر و الأهم أن تكون مُحاط بأناس يحبّونك و يحترمونك…
كان الطعام في السجن يُضاهي فنادق الخمس نجوم.. الإفطار عسل و زبدة و دبس و طحينيّة و علب شوكولاته و مرملاد و لبن.. و في يوم في الأسبوع شوربة عدس تركية تأتي ساخنة.. أمّا بقية الوجبات الغداء و العشاء فهي رُزّ مع مرقة مع لحمة.. يومياً لحمة على الغداء و على العشاء ما عدا يوم العطلة تأتي اللحمة على الغداء فقط.. بالإضافة إلى معكرونة تركية تُشبه الرزّ لكنها أكبر من حبّات الرزّ تسمّى لسان العصفور.. و هناك يوم أو يومين في الشهر يأتي ديك رومي مشوي على الفحم.. تأتي حصّتك فخذة كاملة كفخذ الخروف…
كُنتً كل صباح بعد الإفطار أنتظر دخول القاضي سيردار و بقية زملائهِ لنبدأ الحديث.. في ذلك الصباح فُتِحَ باب الفُسحة.. اقتربتُ من النافذة و إذا بثلاثة أشخاص هم من دخلوا الفُسحة و ليس القاضي سيردار و زملائهِ.. نظروا إليّ مباشرةً و كأنّهم يعرفوني أمّا أنا فقد تفاجأتً بهم .. أحدُهم نحيف و يلبس نظّارة طبّيّة و يبدو أنهُ تُركي من أصول تَتَرية.. اقترب منّي و مدَّ يدهُ من النافذة و قال لي بالانكليزي : گود مورنينغ.. آي آم أصلان آي آم بريسيكوتور (صباح الخير، أنا أصلان أنا نائب عام)…ثمّ أشارَ إلى الآخَرَين و قال هذا يوسف و هذا أركان هُما أيضاً نائبان عامّان.. و قال أنا نائب عام في محكمة شانلي أورفا.. و أضاف أنّهم في الجزء الآخر من الجناح ب في غُرف متفرّقة أيضاً و لديهم فُسحة كهذه و أنّ القاضي سيردار أمس قضى استراحتهُ في فُسحتهم و أخبرهم عنّي.. كانَ رجلاً لطيفاً جداً و متمكّن في اللغة الإنكليزية أكثر من الآخرين.. ظلَّ واقفاً عند نافذة غرفتي طيلة الاستراحة و قال لي في المرة القادمة اطلب من الگارديان (الحُرّاس) أن يُحضروك إلى فُسحَتِنا فهي في الجانب الآخر.. فعلاً في اليوم الثاني قُلت للحرس هل يمكنني قضاء الاستراحة في الفُسحة المجاورة؟ فقال تمام لا مشكلة.. قضيت الاستراحة في فُسحتهم.. كان أركان رجلاً طويل القامة أبيض البشرة في منتصف الثلاثينات و شعرُهُ مُكَزبَر على شكل حلقات و في وجهه آثار من حبّ الشباب.. و خلال حديثنا قال لي بما أنّك تعرف لغة إنكليزية فإنّ عندي مجلّات باللغتين الإنكليزية و التركية فزوجتي مُضيفة طيران و هم يوزّعون لهم مجلّات سياحية باللغتين التركية و الإنكليزية لذلك سأعطيك جميع الأعداد التي عندي و كلما أحضرت لي زوجتي في الزيارات المزيد سأعطيك إيّاها للتسلية و قضاء الوقت.. ثمّ تراجعَ إلى داخل الغرفة و عاد يحمل مجموعة من تلك المجلّات و وضعها في سطل بلاستيك مربوط بحبل و أنزلها لي… بعدما انتهت فترة الاستراحة و جاء الحرس لإعادتي للغرفة أخبرهُ أركان بالمجلّات و قال لا مشكلة.. كانت تلك المجلّات رائعة.. مجلّات ملوّنة و ذات ورق لمّاع يُشبِه أوراق مجلّة العربي زمان.. صور ملوّنة لجميع الأماكن السياحية في العالم صفحة باللغة التركية و ترجمتها في الجهة المقابلة بالإنكليزية.. و قصص و حكايا عالمية و أذكر أنّ في كُل عدد هناك مجموعة قصص عن جُحا.. و الذي يُسمّى في تركيا إيلي شَلَبي.. و صور لخرائط جميع دول العالم و خطوط سير الأسطول الجوّي التُركي و لقاءات مع شخصيات عالمية مشهورة.. حقاً كانت مجلّات رائعة و فيها معلومات رائعة في جميع المجالات كانت لتلك المجلّات أثر كبير على راحتي النفسيّة و أحسستُ معها أنّني أُقيم في فُندق سياحي لا ينقصني سوا رؤية عائلتي و أولادي.. سألتُ سيردار عن كيفية الزيارة فقال الزيارة تتم كل أسبوع عن طريق الهاتف حيثُ يفصلك عن عائلتك حاجز زجاجي و تتحدّثون عن طريق سمّاعة الهاتف.. لكن كل شهر مرّة واحدة تجلسون مقابلة مباشرة في صالة خاصة للزوّار و تستطيعون الأكل معاً.. بعد حوالي اسبوعين من توقيفي فُتِحَ الباب و دخل الحارس ألبا و هو يضحك و سعيد و قال لي : ألباي ألباي زيارة زيارة چابوك چابوك.. آيلي آيلي فاميلي فاميلي.. عائلتك زيارة بسرعة بسرعة.. قلت له ألبا بييه عندي الكثير من عُلب الشوكولاته و أنا لا آكلها هل أستطيع أخذها معي أكيد ابني الصغير موجود.. قال طبعاً طبعاً خذها معك… أدخلوني صالة كبيرة فيها عدد كبير من الكراسي و الطاولات و وجدتُ عائلتي هناك.. بقينا في الزيارة ساعة و نصف.. كان الحُرّاس ينظرون إلينا و كأنّهم يحاولون معرفة شعور و مشاعر غير الأتراك في هكذا ظروف.. احتظنت ابني و نزلت دموعي.. اقترب منّي ألبا و قال : هذا ليس جيد ألباي لا تبكِ أمام ابنك.. أعرف مشاعرك لكن حاول أن تظهر أمامهُ قويّاً… انتهت الزيارة و عُدتُ إلى غُرفتي.. كان يوماً سعيداً و شعرت براحة كبيرة.. بعد دقائق عاد ألبا و فتح الشرّاقة و ناولني بطاقة تُشبه فواتير الكاسه في السوبرماركت و قال لي ألباي هذا رصيدك في الإدارة لقد وضعت عائلتك مبلغ خمسمئة ليرة تركية و تستطيع الآن التسوّق يوم الخميس.. بعد شهر و نصف و بعد الإفطار فُتِحَ الباب و دخل حارس جديد يتحدّث العربية و قال : يلا يلا ضبّ غراضك بسرعة.. قًلتُ له إلى أين؟ قال لا أدري ضبّ غراضك بسرعة و قالها مستخدماً كلمة شعبيّة ريفية تُقال في المناطق الشرقية (لِمّ گَشَّك بساع).. جمعت أغراضي و قبل أن أغادر.. اتتّجهت إلى النافذة و أخرجت رأسي و التفتُّ إلى الأعلى و ناديت : سيردار بييه سيردار بييه.. أخرج رأسهُ من النافذة و نظرَ إلى الأسفل و قال ماذا هناك ألباي؟ قلتُ له سيأخذوني و لا أدري إلى أين لقد قالوا لي أن أجمع أغراضي.. قال خير خير ربما تخرج إذ لم يكن عدلاً أن يوقفوك بالأساس.. قلتُ له : سيردار إذا خرجتم قبلي فاسألوا عنّي و ساعدوني.. أنا لا أعرف أحد في هذه البلاد ساعدوني إن خرجتم قبلي… عند بوابة السجن كان هناك دورية للجندرما و باص أدخلوني الباص و و أجلسوني على كُرسي في قفص حديدي بعد أن وضعوا الكلبشات في يديّ و سار الباص مُتجاوزاً مدينة شانلي أورفا..
…يتبع
Alsharq News الشرق نيوز