في مكتب الرئيس 9
سامر حبيب
تنويه تحريري: إن الموقع غير مسؤول عن الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال، وهي تعبر عن وجهة نظر كاتبها الأصلي.
ونلفت عناية القراء إلى أنه قد تم صياغة وتحويل لغة هذا المقال إلى اللغة العربية الفصحى بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI).
في أروقة صناعة القرار (9):
حافظ الأسد ومواجهة التيار الديني.. أزمة 1967 كُنقطة تحول
تمهيداً لتبوّأ حافظ الأسد سدة الرئاسة في آذار/مارس من عام 1971، سُوّيت الأجواء السياسية لدخوله؛ غير أن عقبات جسيمة وتحديات كبرى كانت بانتظاره، وكان لزاماً عليه التعامل معها وتفكيكها بحذر، إذ كانت كل واحدة منها كفيلة بالإطاحة بحكمه وتقويض أركانه مبكراً.ولعلّ أبرز هذه التحديات تمثّل في التيار الديني المحافظ.
وكانت الأزمة العنيفة التي اندلعت في ربيع عام 1967 بمثابة الدرس القاسي الذي فَهِم من خلاله الأسد طبيعة التوازنات الدينية في البلاد، وكيفية إدارة الأمور على هذا المستوى الحساس. ومن هذا المنطلق، نرى أن استحضار هذه الواقعة يشكّل محطة محورية في سلسلتنا التاريخية.
المقال الفتيل: “الطريق لخلق إنساننا العربي الجديد”في 25 نيسان/أبريل من عام 1967، نُشر مقال في مجلة “جيش الشعب” بقلم الكاتب إبراهيم خلاص، وهو ضابط برتبة “مرشح” (وهي رتبة عسكرية مقتبسة من النظام الفرنسي، تُصنف أعلى من مساعد وأقل من ملازم، وقد أُلغيت لاحقاً من الجيش السوري).حمل المقال عنواناً مثيراً للجدل: “الطريق لخلق إنساننا العربي الجديد”؛ وتلخيِصاً لما جاء فيه، فقد جادل الكاتب بأن المجتمع العربي بحاجة ماسة لبناء “الإنسان الاشتراكي الثوري الجديد”، معتبراً أن تحقيق ذلك يتطلب بالضرورة تجاوز القيم التقليدية والدينية التي هيمنت على المجتمع في الماضي. وذهب المقال إلى أبعد من ذلك بوصفه “الاستعمار، والإقطاع، والرأسمالية، والتدين، والذات الإلهية” كقوى ساهمت في تدمير المجتمع والإنسان، داعياً إلى الاعتماد المطلق على الإنسان وحده.
الغضب الدمشقي والتحالف الإسلامي-المسيحي. لم تمضِ سوى أيام قليلة على النشر حتى اشتعلت العاصمة دمشق غضباً، وقاد هذا الحراك الاحتجاجي كبار علماء الدين والمشايخ، وفي مقدمتهم:الشيخ حسن حبنكة الميداني الشيخ عبد الكريم الرفاعي الشيخ محمد فؤاد شميس الشيخ محمد الحامد (ابن مدينة حماة المقيم في دمشق)


ومما يستوجب الذكر هنا، أن هذا المقال لم يستفز المسلمين فحسب، بل أثار حفيظة رجال الدين المسيحيين والكنيسة أيضاً؛ حيث توحدت المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية في خندق واحد، استشعاراً بالخطر المشترك الذي يهدد العقائد الدينية والقيم الروحية لجميع رعاياهم.وانطلقت الشرارة الأولى من جامع منجك عقب خطبة نارية ألقاها الشيخ حبنكة، لتتحول صلاة الجمعة إلى مظاهرة حاشدة، سرعان ما امتدت شرارتها لتشمل معظم جوامع ومساجد دمشق.
انقسام السلطة: صلابة “جديد” وبراغماتية “الأسد”
في ذلك الوقت، كانت مقاليد السلطة الفعلية بيد صلاح جديد، الذي سارع إلى جمع أركان طاقمه الاستشاري لمواجهة الأزمة، وضم الاجتماع كلاً من: نور الدين الأتاسي، ومحمد عمران، وعزت جديد، وحافظ الأسد، ويوسف زعين.وكما أشرنا في أجزاء سابقة، تميزت شخصية صلاح جديد بالصلابة والنزوع نحو المواجهة الصدامية المباشرة، في حين اتسمت شخصية حافظ الأسد بالبراغماتية والمرونة السياسية. وتبعاً لذلك، برز تيار داخل السلطة يقوده الأسد، يدعو إلى الاجتماع بالمشايخ وفتح قنوات الحوار والتفاهم معهم، تخوفاً من تدحرج الأزمة إلى ثورة شعبية عارمة تنطلق من العاصمة وتجتاح بقية المحافظات.بيد أن صلاح جديد آثر خيار التصعيد؛ فشنت السلطات حملة اعتقالات واسعة، وأبعدت المشايخ البارزين عن منابرهم مستبدلة إياهم بآخرين.

hot

غير أن المشايخ المُعينين حديثاً رفضوا ارتقاء تلك المنابر تضامناً مع مشايخهم الأصليين الذين كانوا بمثابة أساتذة لهم.الوساطة ومواقف المرجعيات الدينيةتفاقمت الأزمة لتلقي بظلالها على كافة مساجد دمشق، وهنا برز دور مفتي الجمهورية آنذاك، الشيخ أحمد كفتارو (الذي عُيّن مفتياً عاماً عام 1964 في عهد الرئيس أمين الحافظ، وقبل انقلاب عام 1966).وقد انقسمت الرؤى حول كيفية التعامل مع الأزمة على النحو التالي:
رؤية الشيخ كفتارو: اعتبر أن ما حدث يندرج تحت إطار “الخطأ الفردي”، ولا يجوز تحميل الحكومة السورية بأكملها مسؤولية مقال كتبه شخص بمفرده.رؤية الشيخين حبنكة والرفاعي: جادلا بأن الحادثة ليست سلوكاً معزولاً، بل هي انعكاس لتوجه “إلحادي ماركسي” تحاول حكومة صلاح جديد والأتاسي فرضه قسراً على البنية الفكرية للمجتمع الدمشقي والسوري. وطالبا باعتذار رسمي من المجلة، ومحاسبة الكاتب، والإعلان الصريح عن موقف الدولة المبدئي تجاه الدين.وعلى الرغم من عقد جولات من المباحثات والاجتماعات بين الطرفين، إلا أن مواقفهما ظلت متباينة ولم يفضِ الحوار إلى أي اتفاق يُذكر.
حرب حزيران وتجميد الأزمة.
بعد ستة أسابيع من الجدل المحموم وحالة الشد والجذب، شنت إسرائيل هجومها في حزيران/يونيو 1967. وأمام هول العدوان الإسرائيلي، تراجعت أزمة المقال إلى المرتبة الثانية؛ إذ أصدر المفتي العام فتوى بالنفير العام والزحف للدفاع عن الجولان ومواجهة العدوان. وهكذا طُويت صفحة الأزمة دون حل جذري بفعل ظروف الحرب الضاغطة.
الدروس المستفادة: كيف رسمت الأزمة ملامح المستقبل؟
على الرغم من أن الحرب أنهت الأزمة ظاهرياً، إلا أن هذه الواقعة أحدثت تحولاً عميقاً في موازين القوى ومجريات الأحداث اللاحقة:
أولاً: عزل جناح جديد: ظهر صلاح جديد ونور الدين الأتاسي في نظر الشارع الدمشقي كـ “يساريين ملحدين” يسعون لتدمير المنظومة الروحية والمجتمعية، مما أفقدهم الحاضنة الشعبية وصيّرهم منبوذين. وهذا التموضع مهّد الطريق لاحقاً لتقبّل الشارع لـ “الحركة التصحيحية” باعتبارها انقلاباً على الفكر الإلحادي.
ثانياً: بلورة رؤية الأسد: كشفت الأزمة لحافظ الأسد خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، وتلخصت في قاعدة: “عدم المساس بالثوابت الدينية، وإذا استدعت الضرورة مقاربتها، فيجب أن يتم ذلك بحجج دامغة تجعل الشارع هو من يطالب بالتغيير”.
ثالثاً: تصنيف التيارات الدينية: فرزت الحادثة أمام الأسد تيارين دينيين؛ تيار يقوده الشيخ حبنكة وعائلة الرفاعي (وهو تيار متشدد ومقاوم بوجهة نظره)، وتيار يقوده الشيخ أحمد كفتارو (وهو تيار إصلاحي، عقلاني، وتصالحي مع السلطة وجب دعمه ونشره).لقد شكلت هذه الحادثة دليلاً استرشادياً اعتمد عليه حافظ الأسد لاحقاً في تفكيك أزمات كبرى عبر توظيف رجال الدين، ومن أبرزها أزمة الدستور مع الشيخ حبنكة.سؤال يطرح نفسه: هل يُصنف العلويون كمسلمين من الناحية الفقهية والقانونية بما يتيح لأحدهم تولي رئاسة الجمهورية، وهو المنصب الذي يشترط الدستور إسلام شاغله؟ هذا ما سنستعرضه في المنشور القادم.
يتبع…
Alsharq News الشرق نيوز