الخميس , يونيو 18 2026
الرئيسية / تحليل / في مكتب الرئيس 10

في مكتب الرئيس 10

​📌 تنويه وإخلاء مسؤولية:​المحتوى الوارد أدناه يعبر عن وجهة نظر كاتبه ومسؤوليته الشخصية، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية عن الآراء أو الوقائع الواردة فيه.

​تم تحويل لغة هذا النص من العامية إلى اللغة العربية الفصحى بواسطة الذكاء الاصطناعي (AI).

​داخل مكتب الرئيس (10)

​بقلم: سامر حبيب

​إن الرواية التي تتحدث عن تحضيرات جرت منذ عهد الانتداب الفرنسي لتسليم السلطة للعلويين —والتي لا أريد الطعن فيها هنا— يدحضها ما حدث في بداية حكم حافظ الأسد. فلو كانت تلك الرواية صحيحة، لِمَ انتظر القادة العلويون (مثل الأسد وجديد) حتى عام 1972 لاستقطاب رجل دين شيعي يمنح الطائفة صفة المسلمين، في حين أنهم كانوا في طليعة الدولة والجيش والحزب منذ عام 1963؟

​إن ما ارتكز عليه قادة الجيش والحزب في تلك المرحلة من سنّة وعلويين ومسيحيين، هو فكرة القومية العربية وتجاوز الأطر الدينية والمذهبية لولوج العصر الحديث وبناء إنسان جديد. غير أن هذا الطرح لا ينطبق على مجتمع قد تظن عند رؤية ظاهره أن تحقيق ذلك ممكن، ولكن بمجرد النفخ على الرماد، سيظهر بصيص جمر صغير. هذا الجمر كفيل بإعادة إشعال النار مجدداً وكأنها لم تنطفئ قط، وهذه هي حكاية التيار الإسلامي في هذه البلاد.​

مات حافظ الأسد وهو يعتقد أنه قد حوّل كل شيء إلى رماد، وظل ملازماً لتلك الجمرات حتى تأكد من انطفائها. ولكن كيف تضمن ألا يضرم أحدهم النار مجدداً؟ فليخرج الآن من قبره لينظر!​أزمة دستور 1973​عندما صيغت النسخة الأولى لدستور عام 1973، لم يُذكر فيها دين رئيس الدولة، فبدأت الاحتجاجات في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحماة وحمص.

كانت تلك الأزمة تتداخل فيها ثلاثة أبعاد:​

إشكالية دستورية: لوجود بند واضح ومحوري مفقود.​إشكالية سياسية: لأن الشعب لم يكن ليقبل بهذا التغافل.

​إشكالية دينية: نظراً لغموض الهوية الدينية للدولة في مسودة الدستور.​

أدرك حافظ الأسد أن الأمر لن يمر بسلام؛ فمواجهة البعثيين في عام 1966 كانت سهلة، ومواجهة الضباط في الحركة التصحيحية عام 1970 كانت عابرة، لكن هذه ستكون المرة الأولى التي يواجه فيها الشعب بزعامة رجال الدين، وهو اختبار لم يخضه الأسد من قبل. إن ما أقدم عليه في بداية الثمانينيات في حماة بعد أن وطد أركان حكمه وأمسك بزمام الدولة، لم يكن قادراً على فعله في بداية السبعينيات عندما كان ما يزال في خطواته الأولى في الحكم ولم يسيطر على مقاليد الأمور تماماً.​وكان يخشى أمراً جوهرياً يحدث آنذاك؛ فالإسلاميون كانوا ينقسمون إلى تيارات متباينة بين صوفيين وسلفيين وإخوان مسلمين، وقضية الشريعة ودين رئيس الدولة كانت كفيلة بتوحيدهم، وهو ما كان سيشكل أكبر كوارثه.

وعلى مستوى دمشق، كان هناك ثلاثة من رجال الدين يمثلون ثلاثة اتجاهات رئيسية: ​الاتجاه المتشدد: يتزعمه الشيخ حسن حبنكة الميداني، الذي لم يتقبل حزب البعث ولا أفكاره وطروحاته، وكان يرى فيه “الشيطان الأكبر”، ويعتقد بوجوب الضغط على السلطة للعودة إلى الصراط المستقيم وترك الضلال والبدع. ​الاتجاه الاحتوائي: كان يدعو إلى احتواء السلطة والتفاهم معها، ويقوده مفتي الجمهورية الشيخ أحمد كفتارو، إذ كان يرفض الصدام مع الدولة ويدعو للتعاون معها وإرشادها وتوجيهها.​ تيار الوسط: وتمثله عائلة البوطي، وأبرز شخصياتها لاحقاً الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، ولم تكن العائلة جزءاً من المؤسسة الدينية الرسمية، لكنهم كانوا يرفضون المواجهة مع السلطة.​ورغم اختلاف تياراتهم، فإن قضية دين رئيس الدولة واعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ووجوب إقرار ذلك في الدستور، كانت مسألة توحيدية جمعت التيارات الثلاثة والرجال الثلاثة، ووحدت السلفيين والصوفية والإخوان في خندق واحد.​وكانت الشخصية الأبرز بينهم في تلك المرحلة هي الشيخ حسن حبنكة. وأكثر ما تميز به الشيخ حسن أنه لم يكن إخوانياً ولم ينتمِ إلى أي تنظيم، مما حرم الأسد من فرصة اتهام حركة أو تنظيم ما بتبني الحراك، بل كان مستقلاً ويمتلك قاعدة شعبية عريضة.

​الموقف الفقهي والفتوى التاريخية​ضمن هذه الحسابات، كان الأسد يعلم أنه سيتراجع، لكن تراجعه دون غطاء فقهي قد يعني خروجه من السلطة لكونه ينتمي إلى الطائفة العلوية. وكان الوضع الفقهي في المنطقة حينها على النحو التالي

:​الأزهر الشريف: لم تكن لديه فتوى واضحة وجامعة حول الطائفة النصيرية، وابتعد عن التصنيفات المتشددة لكنه لم يقر صراحة بإسلامهم.​

التيار السلفي في السعودية: لم تكن لديه فتوى واضحة على المستوى الرسمي أيضاً، لكن التيار كان يعتمد على فتاوى تراثية قديمة ترى أن النصيرية ليست من الإسلام.​

علماء الشام (مشايخ سوريا): بما فيهم الشيخ حسن حبنكة، كانوا يتعاملون مع الأمر من منظور سياسي معترضين على حكم البعث نفسه، لكنهم لم يصدروا فتوى واضحة وجامعة تنفي إسلام العلويين.​

Screenshot

مرجعية النجف الأشرف: كان موقفها مشابهاً لموقف علماء السنة، حيث اتسم بالحذر تجاه هذا الملف.​تحت هذا الانسداد، ظهر مَن أنقذ الموقف؛ وهو الإمام السيد موسى الصدر، أحد أبرز رجال الدين الشيعة في لبنان والمنطقة، حين أفتى بأن النصيرية فئة من فئات الشيعة الإثني عشرية الإمامية.​وكانت هذه الفتوى كافية لإعادة تعريف حافظ الأسد بوصفه رجلاً مسلماً يتوافق مع بند الدستور.

وبناءً على ذلك، صدرت النسخة النهائية للدستور تنص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في الجمهورية العربية السورية.

​احتواء المؤسسة الدينية​لم يكتفِ الأسد بهذا الأمر؛ إذ أدرك أن كسب الشريحة المتدينة من الإصلاحيين بقيادة كفتارو والوسطيين بقيادة البوطي هو الركيزة الأساسية التي سيعتمد عليها لاحقاً في محاربة المتشددين، سواء أكانوا مستقلين كالشيخ حبنكة أم متحزبين كجماعة الإخوان المسلمين.​لذا، بدأ بالصلاة علناً وحضور المناسبات الدينية بكثافة، وأمر بتشييد المساجد ومعاهد التعليم الشرعي، ومنح الشيخ كفتارو مساحة غير محدودة للتصرف في هذا الشأن.

كل هذا منح تيارَي الشيخين كفتارو والبوطي الحجة والدعامة للدفاع عنه استناداً إلى أقواله وأفعاله.​وعلى باب وزارة الأوقاف بالقرب من ساحة الميسات في دمشق، نُقش على حجر ما قاله حافظ الأسد حينها:​”كنت مسلماً وسأبقى مسلماً وسأموت مسلماً، وستبقى راية الإسلام عالية خفاقة في سماء الجمهورية العربية السورية”.

​أما عن البرجوازية السنية ورجال الأعمال وأقطاب الاقتصاد، وكيفية تعامل الأسد مع هذا الملف.. فذلك ما سنعرضه في المنشور القادم.

​يتبع…

شاهد أيضاً

أكُل بخبز عشان تشبع

أكُل بخبز عشان تشبع عمر الهويدي كم مرة سمعنا هذه العبارة من أهلنا ونحن نجلس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *