الأحد , يونيو 28 2026
الرئيسية / تقارير واخبار / قبل أن تُعبَّد الطرق في الرقة… هل عولج ما تحتها؟

قبل أن تُعبَّد الطرق في الرقة… هل عولج ما تحتها؟

قبل أن تُعبَّد الطرق في الرقة… هل عولج ما تحتها؟

عمر الهويدي

إعلان مجلس مدينة الرقة عن انطلاق أعمال تزفيت عدد من شوارع المدينة يمثل، من حيث المبدأ، خطوة ينتظرها السكان منذ سنوات طويلة، بعد أن تحولت معظم الطرق إلى مسارات متآكلة أنهكت المركبات وأثقلت الحياة اليومية للمدنيين. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بجودة الإسفلت أو بمساحات التنفيذ، بل بما يوجد تحت هذه الطرق من بنية تحتية متهالكة، وبشبكات خدمية تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش وما تلاها من عمليات عسكرية ومعارك داخل المدينة.فالطريق ليس طبقة إسفلتية تُفرش فوق الأرض، بل هو الحلقة الأخيرة في منظومة هندسية متكاملة تبدأ من التربة العميقة، مروراً بشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وتنتهي بسطح الرصف. وأي خلل في هذه المنظومة يعني عملياً أن ما يُنفذ من تزفيت لن يصمد طويلاً أمام أول تسرب أو هبوط أرضي.شهدت الرقة عام 2017 واحدة من أعنف المعارك في تاريخها الحديث، رافقتها غارات جوية وقصف مدفعي مكثف ضمن العمليات العسكرية لإخراج تنظيم داعش من المدينة. وقد خلّفت تلك العمليات دماراً واسعاً طال الأبنية السكنية والمنشآت العامة، ولم تكن البنية التحتية بمنأى عنه. فقد تضررت شبكات المياه الرئيسية والفرعية بشكل كبير، كما لحقت أضرار واسعة بشبكات الصرف الصحي في أحياء متعددة، وتعرضت خطوط الكهرباء والاتصالات لانقطاعات ودمار جزئي أو كامل، إضافة إلى تضرر غرف التفتيش والمحولات والبنى التشغيلية الأساسية التي تقوم عليها الخدمات العامة.ورغم مرور سنوات على انتهاء المعارك، فإن عمليات إعادة التأهيل التي جرت خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المدينة بقيت محدودة قياساً بحجم الدمار. إذ اعتمدت في كثير من الأحيان على إصلاحات إسعافية هدفت إلى إعادة تشغيل الخدمات بالحد الأدنى، دون الدخول في مشاريع شاملة لإعادة بناء الشبكات وفق معايير هندسية حديثة قادرة على الصمود لعقود.وتُعد شبكات الصرف الصحي من أكثر الملفات تعقيداً في الرقة. فجزء كبير منها يعود إلى عقود سابقة، وقد تعرض خلال الحرب لتدمير مباشر أو غير مباشر نتيجة القصف والحفريات والانفجارات. وفي عدد من الأحياء، تضررت الأنابيب أو انهارت بالكامل، بينما امتلأت أجزاء من الشبكات بالركام والأتربة، ما أدى إلى ضعف في التصريف وظهور فيضانات متكررة مع هطول الأمطار أو زيادة الضغط على الشبكة.ولا تتوقف المشكلة عند انسداد الأنابيب، بل تمتد إلى أخطر من ذلك، وهو تسرب المياه إلى طبقات التربة تحت الطرق، ما يؤدي تدريجياً إلى إضعاف قدرتها على التحمل. ومع الوقت تبدأ التشققات بالظهور، ثم تتطور إلى هبوطات أرضية تشهدها المدينة بين حين وآخر، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية تحت السطح أكثر مما يعكس حالة الطرق نفسها.ومن الناحية الهندسية، فإن تنفيذ مشاريع تزفيت دون التأكد من سلامة شبكات الصرف يعني عملياً إعادة فتح الطرق بعد فترة قصيرة لإصلاح الأعطال الطارئة. وهذا لا يؤدي فقط إلى هدر مالي، بل يقلل أيضاً من العمر الافتراضي لأي مشروع خدمي، ويحول الاستثمارات إلى أعمال متكررة ذات أثر محدود.وينطبق الأمر ذاته على شبكات المياه والكهرباء، التي تعرضت بدورها لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب. ورغم إعادة تشغيل أجزاء واسعة منها، إلا أن كثيراً من الخطوط ما زال يعمل وفق حلول مؤقتة أو تمديدات إسعافية، لا تستند إلى خطط إعادة إعمار شاملة. لذلك، فإن أي عطل مفاجئ قد يفرض لاحقاً عمليات حفر في الطرق الجديدة، وهو ما يعني عملياً إعادة تدمير ما تم إنجازه.إلى جانب آثار الحرب المباشرة، تبرز مشكلة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالأنفاق والفراغات الأرضية. فقد اعتمد تنظيم داعش خلال فترة سيطرته على حفر شبكة من الأنفاق لأغراض عسكرية، كما شهدت سنوات لاحقة عمليات حفر أخرى ذات طابع أمني وعسكري. ونتيجة ذلك، باتت التربة في بعض المناطق تحتوي على فراغات غير مستقرة، تشكل خطراً مباشراً على السلامة العامة.وقد شهدت المدينة بالفعل أكثر من حادثة هبوط أرضي في شوارع مختلفة، وهو مؤشر واضح على وجود خلل في استقرار الطبقات الجوفية. ومن الناحية الجيولوجية والهندسية، فإن وجود هذه الفراغات يعني فقدان التربة لقدرتها على تحمل الأحمال، خصوصاً عند تسرب المياه أو مرور المركبات الثقيلة، ما يؤدي إلى انهيارات مفاجئة قد تطال الطرق أو حتى المباني المجاورة.لذلك، فإن أي خطة لإعادة تأهيل الطرق يجب أن تسبقها عمليات مسح جيولوجي دقيقة، تهدف إلى تحديد مواقع الفراغات ومعالجتها وردمها وفق معايير فنية، تضمن استقرار التربة قبل البدء بأعمال الرصف.وتكشف الأمطار كل موسم عن ضعف إضافي في البنية التحتية، حيث تتحول العديد من الشوارع إلى برك مائية تعيق الحركة وتسرّع من تآكل الإسفلت. ولا ترتبط هذه المشكلة بالأمطار وحدها، بل بضعف أو غياب شبكات تصريف مياه الأمطار، إضافة إلى انسداد المصارف القائمة نتيجة تراكم الأتربة والركام.ومع استمرار تجمع المياه فوق سطح الطرق، تتسرب الرطوبة إلى الطبقات السفلى، ما يضعف تماسكها ويقصر عمرها الافتراضي. ولهذا، فإن إنشاء أو إعادة تأهيل شبكات تصريف الأمطار يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع خدمي يتعلق بالطرق، وليس بنداً ثانوياً يمكن تأجيله.الفرق الجوهري هنا هو بين الصيانة وإعادة الإعمار. فالصيانة تعالج الأعراض عند ظهورها، بينما إعادة الإعمار تعيد بناء النظام من جذوره. والرقة، بحجم الدمار الذي تعرضت له، تحتاج إلى الخيار الثاني، لا إلى حلول إسعافية متكررة تستنزف الموارد دون معالجة الأسباب العميقة للمشكلة.في المدن التي تعتمد معايير هندسية سليمة، تبدأ مشاريع الطرق بمسح شامل لما تحتها، يتبعه إصلاح أو استبدال الشبكات الخدمية، ثم تأتي مرحلة الرصف النهائية بعد التأكد من جاهزية البنية التحتية بالكامل. أما تجاوز هذه الخطوات، فيعني غالباً العودة إلى نفس النقطة خلال فترة قصيرة لإعادة الحفر والإصلاح.إن تحسين واقع الطرق مطلب مشروع وملحّ، لكنه لا يُقاس بسرعة التنفيذ، بل بمدى قدرة هذه الطرق على الصمود لسنوات دون تدخلات متكررة. ومن هنا، تبدو الرقة بحاجة إلى مقاربة شاملة تبدأ من الأساس، من تحت الأرض قبل سطحها، ومن البنية قبل المظهر.فالطريق ليس واجهة المدينة فقط، بل انعكاس لما يجري في عمقها. وإذا بقيت المشكلات تحت السطح دون معالجة، فإن أي طبقة إسفلت جديدة لن تكون أكثر من غطاء مؤقت لبنية تحتية ما زالت تحمل آثار الحرب، وتنتظر إعادة بناء حقيقية لا حلولاً تجميلية عابرة.

شاهد أيضاً

في مكتب الرئيس 9

في مكتب الرئيس 9 سامر حبيب ​تنويه تحريري: إن الموقع غير مسؤول عن الآراء والمعلومات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *