الجمعة , يونيو 19 2026
الرئيسية / تحليل / العدالة الانتقالية بين خطاب الطمأنة والواقع الصعب

العدالة الانتقالية بين خطاب الطمأنة والواقع الصعب

العدالة الانتقالية
بين خطاب الطمأنة والواقع الصعب

أنس الفتيّح

قبل ستة أشهر، وتحديداً في الأول من كانون الثاني 2026، نشر معالي وزير العدل الدكتور مظهر الويس مقالاً بعنوان “هل تأخر مسار العدالة الانتقالية؟”، قدّم فيه رؤية الحكومة السورية الجديدة لمسألة العدالة في مرحلة ما بعد النظام البائد. لقد كان المقال آنذاك بمثابة محاولة لطمأنة السوريين بأن العدالة قادمة، لكنها تحتاج إلى وقت ضمن مسار مؤسساتي متدرج ليس انتقامياً بل مستداماً.

واليوم، بعد ستة أشهر من التطورات المتسارعة على الأرض، يسعى هذا المقال إلى تقييم ما تحقق في ضوء معطيات الواقع خلال هذه الفترة، وما سبقها من تركة ثقيلة من الانتهاكات. الهدف هو تقديم قراءة نقدية موضوعية تضع النقاط على الحروف: أين نجحت الجهود، وأين قصرت، وما الذي لا يزال يحتاج إلى إنجاز.

أولاً: ما تحقق نقاط مضيئة لا يمكن تجاهلها

من الإنصاف أن نعترف بأن المشهد اليوم يختلف إيجاباً عما كان عليه قبل ستة أشهر على عدة مستويات:

1.  محاكمات جنائية رمزية انطلقت بالفعل.

    شهد يوم 26 نيسان 2026 حدثاً تاريخياً، تمثل في انعقاد أول محاكمة علنية لكبار مسؤولي نظام الإجرام أمام القضاء السوري، حين مثل اللواء عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا سابقاً وابن خال بشار الأسد أمام المحكمة الجزائية الرابعة في دمشق. هذه الخطوة حملت دلالة رمزية كبرى للضحايا وعائلاتهم، خصوصاً أن جلسة المحاكمة كانت علنية وحضرها ذوو الضحايا القادمون من درعا. وقد أعادت المحكمة في جلستها الثانية في 10 أيار 2026 وصف الأفعال المنسوبة إلى المتهم بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مستندة في ذلك إلى الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025.

2.  مؤسسات وطنية جديدة شرعت في العمل

    تم إنشاء هيئتين وطنيتين مهمتين: الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين بموجب مراسيم صدرت في آذار 2025. وقد باشرت هاتان الهيئتان عملهما على الأرض، وهو ما اعتبرته آلية الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق تطوراً مهماً.

3.  تعاون دولي غير مسبوق

    للمرة الأولى منذ إنشائها، حصلت آلية الأمم المتحدة على إذن بالعمل داخل الأراضي السورية، بما في ذلك الوصول إلى مرافق احتجاز كانت تابعة للنظام البائد. كما تم نشر ضابط أدلة تابع للآلية في دمشق، وتنفيذ مهام شهرية للتواصل مع الوزارات والهيئات الوطنية، هذا التحول النوعي يعكس رغبة حقيقية في التعاون الدولي لتحقيق العدالة.

4.  اعتراف دولي متزايد

    حظيت هذه الجهود باعتراف دولي لافت. ففي بيان فرنسا أمام مجلس الأمن في 15 أيار 2026، أشاد المندوب الفرنسي بافتتاح محاكمات ضد شخصيات من النظام السابق ووصفها بأنها شكل من أشكال العدالة الانتقالية ومكافحة الإفلات من العقاب، كما رحبت الحكومة السورية بتبني مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بالإجماع يدعم حقوق الإنسان في سوريا، مع إشارة القرار إلى التطورات الإيجابية في البلاد.

ثانياً: الفجوات الجوهرية: أين تقف العدالة الانتقالية اليوم؟

على الجانب الآخر، فإن الواقع يكشف عن فجوات خطيرة لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها، بعضها كان واضحاً في مقال معالي الوزير، لكنه لم يُحل بعد.

1.  غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية

    حتى اليوم، لم يُصدر قانون العدالة الانتقالية الذي طال انتظاره. لم يتم نشر مشروع القانون بعد، مما يبقي الإطار القانوني للعملية برمتها غامضاً وغير واضح، هذا الغياب جعل التعامل مع قضايا العدالة يتم بشكل مؤقت واجتهادي بدلاً من إطار منهجي شامل.

    إن القفز إلى المحاكمات قبل إقرار قانون شامل للعدالة الانتقالية يشبه بناء سقف منزل دون أساسات، ستظل هذه المحاكمات هشة وعرضة للانهزام تحت وطأة الأسئلة القانونية والأخلاقية الكبرى.

    يعلق الخبير في القانون الدولي حبيب نصارعلى هذا الوضع بالقول “من المؤسف أن جلسة محاكمة بهذه الأهمية تبدو أحياناً وكأنها مسرحية، دون أن يكون واضحاً كيف تتناسب مع استراتيجية أوسع للعدالة الانتقالية”، ويرى أن “السلطات ربما شرعت في الإجراءات على عجل، بهدف احتواء استياء الضحايا بشكل أساسي”.

2.  فجوة تشريعية حرجة في القانون السوري

    أثناء محاكمة عاطف نجيب، برزت إشكالية قانونية جوهرية: قانون العقوبات السوري لا يعرّف “الجرائم ضد الإنسانية” أو “جرائم الحرب” كجرائم مستقلة. وهذا يعني أن التهم ستُصنّف تحت أبواب القانون العادي كالقتل والتعذيب، وهي تهم لا تعكس الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق للانتهاكات المرتكبة، لقد حاول القضاء السوري سد هذه الفجوة بالاستناد إلى المادة 49 من الإعلان الدستوري التي تنص على أن “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجميع الجرائم التي ارتكبها النظام السابق مستثناة من مبدأ عدم رجعية القوانين”، وكذلك الاستناد إلى المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. لكن هذا لا يعوض عن غياب نصوص قانونية واضحة تحدد أركان هذه الجرائم وآليات المساءلة عنها داخل النظام القانوني الوطني.
    هنا تبرز ضرورة إدراج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كنصوص مستقلة في قانون العقوبات السوري، بما يتماشى مع المعايير الدولية والتزامات سوريا بموجب المعاهدات التي صادقت عليها، كون هذا التعديل، وأي تشريع آخر، يظل معلقاً على انعقاد مجلس الشعب السوري المنتظر، والذي -بالمناسبة- طالت فترة تشكيله بشكل لا يبدو مبرراً، مما يعطل القدرة التشريعية للبلاد في واحدة من أكثر المراحل حساسية.

3.  انتقائية النطاق: مَن يُحاسب ومَن يُستثنى؟

    أحد أبرز الانتقادات التي تطرحها منظمات المجتمع المدني السورية اليوم هو أن المرسوم رقم 20 الصادر في أيار 2025 الخاص بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يقتصر نطاقه على “جرائم النظام السابق” فقط. هذا يعني أنه لا يغطي الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها أطراف أخرى في الصراع السوري، بما في ذلك الأحداث المؤسفة في مناطق سيطرة داعش سابقا وانتهاكات قوت سورية الديمقراطية في المحافظات التي كانت تحتلها في دير الزور والرقة و حلب. لذا حصلت مطالبات بتعديل القانون ليكون شاملاً لجميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بغض النظر عن الأطراف أو الأفراد المسؤولين عنها، وبدون ذلك، تخاطر العملية بأكملها بأن توصف بأنها (انتقائية) تعترف بمعاناة بعض الضحايا وتتجاهل معاناة آخرين.

4.  إشكالية عقوبة الإعدام

    لا يزال قانون العقوبات السوري يجيز عقوبة الإعدام لجرائم تتجاوز القتل العمد، وهذا يشكل تعارضاً مع الالتزامات الدولية لسوريا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تطرح إشكالية عملية: المتهم الذي يواجه الإعدام ليس لديه أي حافز للتعاون في الكشف عن هياكل القيادة أو مواقع المقابر الجماعية أو مصير المختفين قسراً، بعكس من يقضي عقوبة طويلة السجن.

في هذا السياق، كشف رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية السيد عبد الباسط عبد اللطيف في جلسة حوارية عقدت مؤخراً في محافظة دير الزور أن الأوروبيين يقولون لنا بشكل واضح إنهم لن يسلموا متهمين يمكن أن يتعرضوا لعقوبة الإعدام في سوريا، وهذا يضعنا أمام معضلة حقيقية: إما أن نعدل موقفنا من هذه العقوبة، أو أن نظل محرومين من أدلة ومتهمين هاربين في الخارج. وهذا أيضاً يعود الخيار فيه لمجلس الشعب المنتظر.

ثالثاً: صوت الضحايا: بين الطموح وخيبة الأمل

إذا كانت العدالة الانتقالية تهدف في جوهرها إلى وضع الضحايا في مركز العملية، فكيف ينظر هؤلاء إلى ما تحقق حتى الآن؟

التقارير الميدانية تشير إلى أن مشاعر متباينة تسود أوساط الضحايا، فمن جهة، هناك شعور بالارتياح لرؤية شخصية كعاطف نجيب خلف القضبان وتقديمه للمحاكمة، ومن جهة أخرى وهي الأكثر انتشاراً في صفوف الثوار، ثمة إحباط متزايد مما يراه البعض محاكمة شكلية تهدف إلى استرضاء الرأي العام أكثر من تحقيق عدالة حقيقية. خلال الجلسة الثانية لمحاكمة نجيب في 10 أيار، لم يُسمح لعائلات الضحايا الذين قدموا من درعا بحضور الجلسة، واضطروا للانتظار خارج قاعة المحكمة حاملين لافتات تطالب بالعدالة. هذا المشهد يحمل دلالات عميقة حول مدى جدية إشراك الضحايا في العملية، يومياً تمر حوادث تزيد من تأزم ذوي الضحايا وتأخر إنفاذ العدالة سوف تدفع البعض لخيار الإنتقام الشخصي.

رابعاً: الطريق إلى الأمام:
يمكن لمعالجة الفجوات التي تم استعراضها ولتعزيز مسار العدالة الانتقالية في سوريا: الإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية حيث يجب أن يُطرح مشروع القانون للنقاش المجتمعي الموسع، وأن يُعرض على البرلمان المقبل فور تشكيله لإقراره وتوسيع نطاق العدالة الإنتقالية ليشمل جميع الأطراف، هذا ليس مجرد إنصاف، بل هو شرط أساسي لبناء ثقة المجتمعات كافة في العملية الانتقالية، وكذلك تعديل قانون العقوبات وضمان مشاركة حقيقية للضحايا والمجتمع المدني وإنشاء آليات منتظمة وشفافة للتشاور، وضمان مشاركتهم الفعلية في تصميم وتنفيذ سياسات العدالة الانتقالية، وليس مجرد إطلاعهم عليها، ومعالجة قضية المفقودين كأولوية وطنية مع استمرار معاناة مئات الآلاف من عائلات المختفين قسراً، يجب أن تخصص الهيئة الوطنية للمفقودين موارد كافية وتمنح الصلاحيات اللازمة للوصول إلى المعلومات وتحديد مواقع المقابر الجماعية.

خاتمــــــة

إن ما تحقق خلال الأشهر الستة الماضية ليس بالقليل، خاصة إذا قورن بحالة الجمود التام التي كانت سائدة لعقود. فانطلاق المحاكمات وإنشاء الهيئات الوطنية والتعاون الدولي كلها مؤشرات إيجابية تستحق التقدير. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن العدالة الانتقالية في سوريا ما تزال في مراحلها الأولى الهشة، وتواجه مخاطر حقيقية، العملية تبدو وكأنها تسير بقدمين: قدم تخطو خطوات إلى الأمام على صعيد المحاكمات الرمزية، وأخرى تظل ثابتة على صعيد بناء الإطار القانوني والمؤسسي الشامل.

الخطر الأكبر اليوم هو أن تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد طلاء إصلاحي يخفي هيكل الدولة القديم، محاكمة عاطف نجيب مشهد قوي، لكنه يبقى فردياً ما لم يتبعه تفكيك كامل لمنظومة الإفلات من العقاب التي بنيت على مدار خمسة عقود.

الخوف من أن تتحول العدالة الانتقالية إلى عدالة صورية تكتفي بمحاكمة عدد محدود من كبار المسؤولين بينما يُترك النظام القديم بأفعاله وأساليبه قائماً من دون تفكيك حقيقي. 

رسالتي إلى معالي الوزير مظهر الويس، وإلى القائمين على العملية الانتقالية في سوريا: إن السوريين لم ينتظروا كل هذه السنوات الطوال لينالوا عدالة منقوصة أو انتقائية. لقد دفعوا ثمناً باهظاً، وفقدوا أغلى ما يملكون، ليستحقوا أفضل ما يمكن أن تقدمه العدالة. الوقت ليس في صالح أحد، فكل يوم يمر دون تحقيق تقدم ملموس يُفقد العملية مصداقيتها ويزيد من مرارة الضحايا.

العدالة الحقيقية تتطلب شجاعة سياسية لمواجهة عيوب النظام القديم بأكمله، وليس فقط محاكمة بعض رموزه، تتطلب قانوناً شاملاً يعترف بمعاناة جميع السوريين، وآليات تضمن عدم تكرار ما حدث أبداً، هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه القيادة السورية اليوم.

سوريا تستحق هذه العدالة، والضحايا يستحقونها.

شاهد أيضاً

هل ينجح ترامب في دفع سوريا للتدخل في لبنان؟

⚠️ هل ينجح ترامب في دفع سوريا للتدخل في لبنان؟ عبد الوهاب عاصي ⭕️ عاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *