المعتز الخضر
الفصل الأوّل
عندما ربحتُ مئتي مليون ريال و ضربت شريف شحادة بكُندرة السِّفتي
بعد ثمانية أيّام من توقيفي في نظارة الجندرما و في وقت عِشاء اليوم الثامن حضرَ ضابط المباحث العسكرية و الذي سبقَ و حَقَّقَ معي و قال : ألباي عجلة عجلة چابوك چابوك..مهكَمي مَهكَمي.. أي أيُّها الكولونيل بسرعة بسرعة إلى المحكمة.. قيَّدَ اثنان من الجندرما يديّ من الأمام و وضعوني بينهم في سيارة فخمة بينما جلس السائق و الكوموتان (القبطان كما يسمّونهُ) في الأمام و انطلقت السيارة باتّجاه المدينة (شانلي أورفا).. مرّت السيّارة من أمام المخيّم التي أسكن أنا و عائلتي (تسعة أشخاص) في إحدى خيامِهِ و التي كانت بمساحة ثلاثة أمتار بأربعة و كمة..
نظرتُ من زجاج السيّارة إلى المخيّم، ثمّ رفعتُ يدي و قُلت : السلام عليكم يابا (أقصد أولادي) نظرَ إليّ عناصر الدورية.. طبعاً هم يعرفون معنى السلام عليكم فهم يقولون نفس السلام بلغتهم.. و راحوا يتحدّثون بينهم باللغة التركية و يبدو أنّهم تأثّروا بكلامي.. رِحتُ أتَخَيّل شكل القاضي الذي سأُعرَض عليه : هل هو شابّ أم ختيار؟ تخيّلتُهُ يُشبِه القاضي الذي حكمَ على جان فالجان في رواية البؤساء أو الأطباق الفضيّة و هو يرتدي ذلك الشعر المُستعار في فترة القرنين الثامن عشر و التاسع عشر.. ثُمّ تخيّلتُهُ قاضي عسكري يلبس لباس الجندرما ثُمّ شاب وسيم و و .. دخلنا المحكمة بعد العِشاء بحوالي ساعة.. أجلسوني في الممرّ.. كانت المحكمة تعُجّ برجال يرتدون لباس مدني أسود و يحملون رشّاشات قصيرة تحت الجاكيت (حيثُ كانت فترة محاولة الانقلاب الفاشلة هناك و البلد في حال استنفار).. قال لي رئيس الدورية كلمات بالتركية فهمت منها أنّنا ننتظر الصّاوجي ( النائب العام).. بعد حوالي نصف ساعة جاء شاب في الثلاثين من عمرهِ أسمر سمار الأتراك المعهود.. و راح يُكَلِّم رئيس الدورية و هو ينظر إلى الساعة و يبدو أنّهً يُعاتبهم على التأخير.. ثمّ أشار رئيس الدورية إليّ.. نظرَ النائب العام إليّ لدقائق ثمّ نظرَ إلى أوراق التحقيق ثمّ نظرَ إليّ مرة أخرى.. قلتُ لهُ : باشقان إنكليزجي كونشيور موسونز؟ هل تتكلم الإنكليزية أيها الرئيس؟ هزّ رأسهُ و أشار بيدهِ بمعنى لا داعي للكلام و قال كلمة :هَاكِم (أي إلى القاضي).. أمسكَ بيّ عُنصُرا الجندرما و اقتادوني إلى قاعة المحكمة.. جلستُ على أحد المقاعد بينما وقف عناصر الجندرما عند الباب.. شاب أسمر آخر لكن هذه المرّة سمّار عربي، يبدو أنّهُ تُركي من أصول عربية.. قال لي : أنا التُرجمان.. و هسّه يجي القاضي من يفوت أنت لازم توقّف.. بعد دقائق دخلَ رجل ربما في السبعين من العُمر أشيب الشعر، كان يُشبِه بُطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة كأنّهُما توأم حقيقي لا تستطيع التفريق بينهم.. وقفت.. لَبِسَ جُبّة القضاء و التي كانت معلّقة ثمّ جلس و أشار للكاتب أن يستعد.. كان الكاتب يجلس بيني و بين القاضي وجهَهُ لي و ظهرهُ للقاضي و أمامهً جهاز كمبيوتر يكتب عليه.. دخل رجل ثالث ذو لحية يُشبِه مُعاذ الخطيب.. تحدّثَ القاضي مع المترجم، ثمّ قال لي المترجم : يقول لك القاضي هذا الرجل (صاحب اللحية) مُحاميك وضعتهُ لك الحكومة.. و هذا الكاتب و أنا الترجمان.. فتح القاضي إضبارة التحقيق.. و كُلّما قلبَ ورقة ضحك و هزّ رأسهُ.. و عندما نظرَ للورقة التي فيها صورة (ر).. قال و هو يضحك : اممممم أمير الحريم.. أمير الحريم… ثم تحدّث معي فقال لي المترجم : لماذا تنشر هذه الصورة على فيس بوك و أنت تعرف أننا في حالة أوهال ( طوارئ) ؟ و تترحّم على صاحب الصورة و تقول عنهُ أنّهُ كانَ شًجاعاً؟ قلتُ لهُ : سيدي القاضي هذا مُسلم و قتلهُ النظام منذ سنة و نصف و رأيت صورتهُ فنشرتها و ترحّمتُ عليه هل هذا ذنب؟ لو كنت أعرف أنهُ ذنب ما فعلتُ ذلك؟ قال حسناً في صورة ثانية سِلاه وار(فيها سلاح) مجموعة من المقاتلين يحملون أسلحة.. قلتُ لهُ سيدي القاضي هذه الصورة في مدينة حمص لثوّار يُقاتلون النظام و بلدي فيها ثورة و أنا أكتب و أنشر عمّا يحصل في بلدي.. تحدّثَ بعدها عدة كلمات ثمّ قام و خلعَ الجُبّة و سار نحو الباب.. فقال المترجم : القاضي أمرَ بتوقيفك في سجن حِلوان.. قلتُ له : كم يوم توقيف؟ قال شهر شهرين ثلاثة، لحتى الأمنيّات يدقّقون عنّك.. ناديت على القاضي : جناب الحاكم.. التفتَ إليَّ و قال : نييه (ماذا) قلتُ لهُ : حضرتك ظلمتني.. عادَ باتجاهي خطوتين و هو يبتسم و قال كلمات لم أفهم إلّا كلمة : مِلَّة.. فقال المترجم : يقول لك القاضي أنا لم أظلمك اللي ظَلَمَك أهلك مِلّتَك اللي جابوك لهذا المكان أنا ما بعرفك لحتى أظلمك.. ثم غادر القاعة، و عاد عناصر الجندرما و وضعا الكلبشة في يديّ و غادرنا المحكمة..
يتبَع..
Alsharq News الشرق نيوز