الشعبوية: سلاح مزدوج يغيّر خطاب الحكومات ويثقل كاهل المجتمع
فراس علاوي
في تاريخ السياسة العالمية، لطالما مثّلت الشعبوية نمطًا تواصليًا يَعِد بالتغيير السريع والمباشر باسم “إرادة الشعب”. لكنها في جوهرها ليست سوى انعكاس لحالات من التوتر بين النخب الحاكمة والجماهير الواسعة، غالبًا ما تُستثمر في فترات الأزمات الاقتصادية أو الأزمات المؤسسية. غير أن الشعبوية، بقدر ما تُظهر نفسها حلاً، غالبًا ما تزرع بذور مشكلات أعقد على المدى الطويل، تبدأ بتغيير خطاب الحكومات وتنتهي بتهديد أسس التماسك المجتمعي.
الشعبوية كتحول في الخطاب السياسي
تاريخيًا، لم تكن الشعبوية مجرد حركة سياسية، بل مثّلت تحوّلًا جذريًا في أنماط الخطاب الرسمي للدولة. فحين تصعد حكومة أو مجتمع ذات نزعة شعبوية، غالبًا ما تتخلى تدريجيًا عن الخطاب العقلاني المبني على التحليل والتخطيط، لصالح خطاب تعبوي يستند إلى الثنائيات: “الشعب مقابل النخب”، “الخير مقابل الشر”، “نحن مقابل هم”. هذه اللغة المبسطة تُمكّن القادة من مخاطبة الجماهير بشكل مباشر وعاطفي، لكنها في المقابل تُفرغ النقاش العام من التعقيد الضروري لفهم الواقع السياسي والاجتماعي.
الأمثلة كثيرة: من أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، حيث استخدم خوان بيرون في الأرجنتين خطابًا شعبويًا موجهًا ضد “النخب الاقتصادية”، إلى صعود الحركات اليمينية في أوروبا مؤخرًا التي توظف خطابًا قوميًا مشحونًا ضد المهاجرين والاتحاد الأوروبي. في كل حالة، تغيّر الخطاب الرسمي ليصبح أكثر إثارة، أقل دقة، وأكثر ميلًا لتأجيج الانقسام.
التأثير على الشعوب: شعور بالتمكين… مؤقت
الشعبوية تغري الجماهير لأنها تقدم وعودًا بسيطة لمشكلات معقدة. المواطن العادي، الذي يشعر بالتهميش أو بالخذلان من المؤسسات، يجد في الخطاب الشعبوي تمثيلًا مباشرًا لهمومه، ويشعر أنه صار “مرئيًا” أخيرًا. غير أن هذا الشعور بالتمكين عادةً ما يكون قصير الأمد. فبمجرد أن تصل هذه الحكومات إلى السلطة، تبدأ التحديات الحقيقية في الظهور: وعود غير قابلة للتحقيق، وعلاقات متوترة مع المؤسسات، وتهميش للكفاءات لصالح الولاء، وأحيانًا تقويض لآليات الديمقراطية ذاتها.
وفي كثير من الأحيان، تقود الشعبوية إلى خلق عدو داخلي: سواء كان المهاجرين، أو الإعلام، أو الأحزاب المعارضة، ما يعمّق من حالة الاستقطاب المجتمعي. بدلًا من بناء الثقة في الدولة، تؤسس الشعبوية لحالة من الشك والتخوين، مما يؤدي إلى تفكك المجتمعات على أسس هوياتية أو فئوية.
الانعكاسات السلبية على المدى البعيد
الأثر الأخطر للشعبوية يكمن في تداعياتها البنيوية. فعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات بيد السلطة الشعبوية، فإنها تفقد استقلالها وفعاليتها. يتراجع دور القضاء، وتُقيد حرية الصحافة، وتتآكل الثقة في الانتخابات، وقد تُضعف حتى فكرة تداول السلطة. الشعوب التي صدّقت وعود التمكين تجد نفسها لاحقًا تحت حكومات ترفض النقد وتُقصي المخالفين، مما يقود إلى مزيد من الإحباط، وقد يُمهّد الطريق لردّات فعل عنيفة أو موجات جديدة من التطرف.
اقتصاديًا، تميل الشعبوية إلى سياسات قصيرة الأمد تفتقر إلى الاستدامة، مثل زيادة الإنفاق العام لكسب التأييد الشعبي، دون خطة واضحة للنمو أو للإصلاح المؤسسي. ومع تدهور المناخ السياسي وتراجع ثقة المستثمرين، تصبح الشعوب رهينة لدوامة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
الحاجة إلى مقاومة الخطاب المبسّط
الشعبوية ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة لفراغات تتركها النخب السياسية التقليدية، سواء بسبب فسادها أو انفصالها عن الواقع. لكن الحل لا يكمن في الإذعان للشعبوية، بل في إعادة بناء خطاب سياسي عقلاني، شفاف، وقادر على إشراك المواطنين دون الوقوع في فخ التبسيط أو الإثارة. إن مقاومة الشعبوية تبدأ من الإعلام والتعليم، ومن تكوين وعي جماعي يرى التعقيد لا كعائق، بل كشرط للحلول المستدامة.
إن الديمقراطية لا تزدهر بالهتاف، بل بالحوار. والشعوب التي تُغرى بالشعارات قد تستفيق لاحقًا على كلفة باهظة من التراجع المؤسسي والانقسام المجتمعي. لذا، فإن مسؤولية النخب – كصحفيين، وأكاديميين، ومواطنين – أن تحذر من سحر الشعبوية، وأن تطالب بخطاب سياسي يرتقي إلى مستوى التحديات، لا يختزلها.
Alsharq News الشرق نيوز