متلازمة السوري المتأقلم: حين أصبح التكيف أداة بقاء ومعول هدم
فراس علاوي
على مدى عقود عاش كثير من السوريين ضمن مجتمعات إما مغلقة أو منغلقة أو هامشية، في ظل الاهتمام بالمركز على حساب الأطراف، مما اضطرها إلى التكيف مع هذه التحولات.
يشير علم النفس الاجتماعي، إلى “التكيف القسري” كآلية دفاع تعتمدها المجتمعات المأزومة لتقليل الأذى النفسي الناتج عن العيش تحت ظروف قاهرة. لكن ماذا لو تحول هذا التكيف من رد فعل إلى نمط حياة؟ من وسيلة للبقاء إلى ثقافة مدمرة؟ هنا تظهر ما يمكن تسميته بـ”متلازمة الشخص المتأقلم” ونستطيع اسقاطها على مجتمعات سورية كثيرة خاصة تلك التي لم تؤثر بها عملية التغيير، بل على العكس زادت من حدة تقبل هذا النمط،
نمط من التقبل المبالغ فيه للواقع، حتى عندما يكون هذا الواقع ظالمًا أو ضارًا، وتبرير ما لا يُبرَّر من قرارات وقوانين، بل والتعايش مع الجور وكأنه طبيعي.
بين القمع والسياسة: جذور المتلازمة
عقود من الحكم الشمولي، تبدأ من الطاعة العمياء وتنتهي بتأليه الحاكم، خلقت بيئة نفسية جماعية مشوهة. لم تعد قرارات السلطة تُناقش، بل تُفسَّر وتُبرَّر، حتى لو تناقضت مع المنطق أو المصلحة العامة. قرارات اقتصادية تقوّض معيشة المواطن؟ هناك دائمًا من “يفهم أكثر منا”. تشريعات مفاجئة تُفقر فئات واسعة من السوريين؟ تُقبَل باعتبارها “حكمة عليا لا نراها الآن”.
المفارقة أن المواطن السوري، بذكائه الفطري وقدرته التاريخية على النجاة في أصعب البيئات، لم يقف عند التكيف فقط، بل طوّره إلى شكل من أشكال (القبول النشط): تبرير الظلم، وتجميل القبح، بل وتحويل المعاناة إلى “ميزة وطنية”. وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد خوف أو تواطؤ.
التبرير الجماعي: كآلية دفاع
علم الاجتماع يصف هذا السلوك بمفهوم “الامتثال الجماعي القسري”، حيث تتحول القواعد التي فرضت بالقوة إلى أعراف اجتماعية راسخة. فلا غرابة أن تسمع مواطنًا( سوريًا) يبرر أزمة الخبز بأنها “ضرورية لمحاربة الفساد”، أو يرى في فقدان الكهرباء “فرصة للراحة من التكنولوجيا”. هذه ليست طرائف عابرة، بل تعبيرات عن تطبيع الأزمة، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
لماذا نقبل ما يضرّنا؟
يشرح علم النفس الاجتماعي هذا السلوك من خلال ما يُعرف بـ”التحكم المكتسب بالعجز” (Learned Helplessness)، حيث يقتنع الفرد، بعد تعرضه المتكرر للخذلان أو القمع، أن لا جدوى من المقاومة. فتتولد لديه قناعة دفينة أن “الأمر لا يتغير”، فينصرف عن الفعل إلى التكيف. وحين يتكرر هذا السلوك على مستوى جماعي، يصبح نمطًا سلوكيًا عامًا يُعيد إنتاج السلطة، حتى في غيابها المباشر.
الكلفة الاجتماعية للصمت
هذه المتلازمة لم تُنتج فقط فردًا مطواعًا، بل مجتمعًا مُنهَكًا عاجزًا عن الحلم أو الاحتجاج أو حتى الغضب. ولعل أخطر ما فيها أنها تفرغ السياسة من مضمونها، وتحول الناس إلى مجرد متلقين للقدر، لا فاعلين فيه. كما أنها تُعيد إنتاج أنماط الانقسام الاجتماعي، فتصبح كل فئة مشغولة بـ”تدبير حالها”، وتفقد الحس الجماعي بالمصلحة العامة.
المشكلة ان الانقسام الذي حصل في المجتمع بعد الثورة السورية لم يغير من هذا الحس المجتمعي بل عمقه، وبعد سقوط النظام حاول متبنوه التبرير لأنفسهم وللاخرين وانهم كانوا بحالة عجز، الغريب أن هؤلاء لايرون عيبا في عجزهم بل يحاولون تسويقه على انه نوع من المقاومة السليبة.
ما بعد التأقلم: هل من مخرج؟
لا يعني تشخيص هذه المتلازمة أننا نحكم على البعض بالعجز الدائم، بل هو دعوة لفهم كيف تشكلت هذه الآلية النفسية والاجتماعية، وكيف يمكن تفكيكها. البداية تكون بالاعتراف: نعم، نحن تأقلمنا كثيرًا، وصمتنا طويلاً، وبررنا ما لا يُبرَّر. لكن الاعتراف بالخلل هو الخطوة الأولى نحو تجاوزه، وهذا ماحصل لدى شريحة جيدة وتجاوزته بالمقابل هناك من عبر الخلل لكنه كرسه في ثقافته الاجتماعية كنوع من هذا العبور.
ما يحتاجه السوري اليوم ليس جلد الذات، بل إعادة الاعتبار للفعل الجمعي، للغضب المشروع، للرفض الأخلاقي. فما يُبقي المجتمعات حيّة ليس قدرتها على تحمل الألم، بل قدرتها على رفضه.
Alsharq News الشرق نيوز