الأربعاء , أغسطس 19 2026
الرئيسية / تحليل / استطلاع إسرائيلي لحدود تحالف مكة وسوريا الجديدة

استطلاع إسرائيلي لحدود تحالف مكة وسوريا الجديدة

استطلاع إسرائيلي لحدود تحالف مكة وسوريا الجديدة

أنس الفتيح

قد تبدو الغارات الإسِ.ـرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، فجر البارحة، عملية عسكرية محدود الأهداف والنتائج، حيث اقتصرت الأضرار المعلنة على المدرج وحظائر طائرات مهجورة دون خسائر بشرية.

غير أن القراءة الاستراتيجية لهذه الضربة تتجاوز حجم الدمار المادي إلى دلالات المكان والتوقيت، فهي ليست فعلا عسكريا معزولا بقدر ما هي استطلاع للمشهد الإقليمي المتغير واختبار لطبيعة التحالفات الناشئة.

لماذا إدلب تحديدا؟

لا يقع أبو الظهور في جنوب سوريا القريب من الجولان، بل في قلب الشمال السوري، وتحديدا في ريف إدلب، وهي منطقة تحمل رمزية خاصة لدى الإدارة السورية الجديدة. فإدلب كانت آخر معاقل المعارضة المسلحة. استهداف مطارها العسكري، وإن كان محدودا، يحمل رسالة إلى دمشق مفادها أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي نقطة في العمق السوري، متجاوزة بذلك الاعتبارات الجغرافية أو الرمزية التي قد تعتقد سوريا الجديدة أنها توفر حماية لتلك المناطق.

سوريا الجديدة خارج الهلال الإيراني

مع سقوط نظام الأسد، انهارت إحدى أهم حلقات النفوذ الإيراني الممتدة من العراق إلى لبنان. دخلت سوريا مرحلة مغايرة كليا، تقوم على بناء مؤسسات وجيش وطني، وانفتاح غير مسبوق على قوى إقليمية كبرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، اللتين تسعيان لدعم الاستقرار ومنع تحول البلاد مجددا إلى ساحة مفتوحة للميليشيات. وعليه، فإن إسرائيل لم تعد تتعامل مع سوريا التي عرفتها لعقود، وإنما مع كيان يسعى لاستعادة قراره السيادي.

أبو الظهور: قياس القدرات وردود الفعل

تكمن أهمية الغارة في كونها اختبارا عمليا لإسـ.ـرائيل لاستكشاف حدود حركتها داخل العمق السوري، وقياس مدى تحول سوريا الجديدة إلى جزء من منظومة إقليمية تجعل أي اعتداء عليها أكثر كلفة سياسيا وأمنيا. السؤال الجوهري لم يكن “لماذا استهدف المطار؟” بل “هل ما زالت إسرائيل قادرة على العمل في الأجواء السورية دون ردع، أم أن المعادلات تغيرت؟

.تحالف مكة في قلب المعادلة

قبل أيام، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في مكة، وضعت إطارا أمنيا إقليميا جديدا. وبالرغم من أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو إسرائيل صراحة، فإن الجغرافيا تفرض قراءة أوسع؛ إذ تقع سوريا في مركز دائرة هذا التحالف، مما يحولها من دولة منهكة بحرب إلى محور محتمل في أي منظومة أمنية ناشئة. هذه الديناميكية تستبدل معادلة “الهلال الشـ.ـيعي” السابقة بتوازنات جديدة، لا تعكس ببساطة صراعا مذهبيا، بل إعادة هيكلة شاملة لموازين القوة، حيث يعتبر استقرار سوريا جزءا من المصالح الأمنية للدول الثلاث.

القلق الإسرائيلي من الجيش السوري الجديد

تعاملت إسرائيل مع سوريا السابقة كدولة ضعيفة ومرتبطة بإيران. أما اليوم، فإن تشكيل جيش وطني جديد، يضم خبرات متراكمة من سنوات الصراع، ويدرك أن القضية الفلسـ.ـطينية جزء من وعيه السياسي والعسكري، يطرح تساؤلات إسرائيلية ليست حول حجم الجيش فحسب، بل حول طبيعة عقيدته المستقبلية. فالجيش الذي يحمل بعدا عربيا اسلاميا، ويبنى في بيئة موالية لتركيا والسعودية، يشكل منعطفا مختلفا عن الجيش السابق.

دوره القضية الفلسـ.ـطينية في الحسابات الإقليمية

لا يمكن فصل الملف السوري عن القضية الفلسطينية، خاصة في ظل المأساة المتواصلة هناك، التي أعادت فلسطين إلى صدارة الوعي الشعبي والسياسي في المنطقة.

هذا العامل يلقي بظله على تحرك الدول الثلاث (السعودية وتركيا وباكستان)، التي تتحرك ضمن فضاء شعبي لا يمكنه تهميش هذا الملف. ومن ثم، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة بالتزامن مع الحرب على القطاع، تجعل الموقف الإسرائيلي أكثر تعقيدا، فكلما ازدادت سوريا استقرارا وتعاوناً مع أنقرة والرياض، كلما عاد الملف الفلسطيني بقوة إلى الواجهة الاستراتيجية.

الاختبار الحقيقي لتحالف مكة

من غير المرجح أن يكون الرد على غارة أبو الظهور عسكريا ومباشرا من قبل السعودية أو تركيا أو باكستان، بل قد يتجلى الرد في الدعم السياسي لدمشق، أو تعزيز قدرات الجيش السوري الدفاعية، أو توفير غطاء دبلوماسي يحد من الحركة الإسـ.ـرائيلية. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام “تحالف مكة”: هل ينتقل من اتفاق دفاعي شكلي إلى منظومة أمن إقليمي متكاملة تعتبر أمن سوريا ركيزة من ركائزها؟ فإن تحقق ذلك، انتقلت سوريا من ساحة صراع إلى مركز ثقل في المعادلة الجديدة.

خلاصة: اختبار ملامح الشرق الأوسط

لا ينظر إلى أبو الظهور كمطار عسكري، بل كنقطة تقاطع لعدة ملفات: مصير سوريا الجديدة، طبيعة جيشها، فاعلية تحالف مكة، تراجع النفوذ الإيراني، واستمرار الحرب في القطاع، إذا كان “الهلال الشيعي” قد جعل سوريا محورا رئيسيا في منظومته، فإن السؤال المطروح اليوم: هل تصبح سوريا مركز التوازن الإقليمي الجديد الذي يتشكل في مكة؟

الرسالة الإسرائيلية لا تقتصر على القدرة على الوصول إلى أبو الظهور، بل تمتد لاستطلاع قدرة القوى الإقليمية على منع تكرار هذه الضربات. الرد الحقيقي لن يكون في البيانات، بل في قدرة سوريا على بناء دولة مستقلة، وقدرة تحالف مكة على تحويل التقارب السياسي إلى منظومة دفاعية نافذة تتعامل مع “عزة” كجزء من أمن المنطقة، لا كملف ثانوي. لهذا السبب، تتجاوز غارة أبو الظهور كونها حدثا عابرا، فهي اختبار لملامح الشرق الأوسط القادم.

شاهد أيضاً

عن قرية اسمها دهشة

عن قرية اسمها دهشة قصة قصيرة ل المعتز الخضر دَهشة.. الجزء الرابع.. عوالِم خَفيّة.. ظهور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *