الأحد , سبتمبر 6 2026
الرئيسية / تحليل / رقعة الشطرنج السورية

رقعة الشطرنج السورية

رقعة الشطرنج السورية

:أنس الفتيح ناشط سياسي

في تحول جيوسياسي يعيد تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط، تبرز سوريا اليوم كلاعب إقليمي صاعد، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد لتتحول من دولة كانت تبحث عن مخرج من أزمتها إلى ممر استراتيجي يصل الخليج والعراق بالبحر المتوسط.

هذا التحول، الذي يتجلى في أرقام وصور واضحة، يفسر الكثير من التغيرات السياسية والأمنية في المنطقة، ويمتد تأثيره إلى واشنطن وطاولات المفاوضات الصهيونية السورية.

رقم يغير المعادلة

خلال شهر أغسطس الماضي، نجح العراق في تصدير نحو 70 مليون برميل من النفط الخام، محققاً بذلك أعلى معدل صادرات وإيرادات منذ اندلاع الحرب في المنطقة وأزمة مضيق هرمز. هذا الرقم، الذي تجاوز حاجز 4.5 مليار دولار من الإيرادات، لم يكن مجرد نجاح تصديري عابر، بل كان انعكاساً لتحول استراتيجي عميق في مسارات الطاقة الإقليمية.

فمع تعطل الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وجد العراق نفسه بحاجة ماسة إلى منافذ بديلة لتصدير نفطه.

وكانت سوريا هي المخرج. فمنذ نيسان الماضي، بدأت شاحنات ضخمة محملة بالنفط تعبر الأراضي السورية في تجربة محدودة، سرعان ما تحولت إلى عملية يومية واسعة النطاق.

واليوم، تعبر نحو 5000 شاحنة نفط يومياً من جنوب العراق عبر الصحراء السورية باتجاه ميناء بانياس على البحر المتوسط.

ترامب يشهد.. ويرحب

اللافت في هذا التحول هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه تحدث عنه علناً.

في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، قال ترامب: “إن الكثير من أنابيب النفط يجري إنشاؤها في منطقة الشرق الأوسط”، مشيراً إلى وجود شاحنات تنقل النفط عبر سوريا. وأعاد نشر تقرير لصحيفة واشنطن بوست حول تنامي دور سوريا ممراً بديلاً للطاقة،

معلقاً عليه بعبارة: “هذا رائع”.

ولم يتوقف الأمر عند الشاحنات. ففي تموز الماضي، أعلنت إدارة ترامب دعمها لمشروع خط أنابيب تقوده شركة “شيفرون” لنقل مليوني برميل من النفط يومياً من البصرة جنوبية العراق إلى بانياس، عبر مسار بري يمتد حوالي 1000 ميل بتكلفة تقدر بنحو 5.7 مليار دولار.

وقال ترامب إن هناك “بدائل كثيرة لمضيق هرمز”، مشيراً إلى أن أهميته لم تعد كما كانت.

سوريا.. من متلق للمساعدات إلى مقدم للحلول

هذا التحول في دور سوريا يحمل دلالات سياسية عميقة. فسوريا التي كانت قبل فترة تبحث عمن يساعدها للخروج من أزمتها، أصبحت اليوم مخرجاً يساعد العراق في تجاوز أزمته النفطية، وممراً استراتيجياً يصل الخليج بالمتوسط.

وهذا ما يفسر، بشكل كبير، تطور الموقف السوري في المفاوضات مع الصهاينة.

في أواخر آب الماضي، عُقد في الأردن اجتماع سوري صهيوني برعاية أمريكية، يهدف إلى إنشاء آلية للحوار المباشر بين الجانبين. لكن مسؤولاً أمنياً للعدو كشف لاحقاً أن محاولات التوصل إلى اتفاق أمني “لم تكلل بالنجاح”. وأوضح أن أحد أبرز العوامل التي عرقلت المحادثات هو “رفع وتخفيف بعض العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، ما أدى إلى تراجع دافعية الجانب السوري للمضي قدماً في إبرام الاتفاق”.

وهذا طبيعي جداً. فكلما خرجت سوريا من عزلتها، وفتحت طرق التجارة والطاقة، وأصبحت دولة يحتاجها العراق والخليج، وبدأ الرئيس الأمريكي نفسه يتحدث عن أهميتها كممر بديل لهرمز، تزداد أوراق دمشق وتقل حاجتها لتقديم التنازلات على طاولة المفاوضات.

فرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفتح آفاق الاستثمار والتعافي الاقتصادي، منح دمشق ثقة وقوة تفاوضية لم تكن تملكها من قبل.

الشطرنج الكبير.. سوريا كلاعب إقليمي

هنا نستحضر رؤية بريجنسكي في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى”، حيث ميز بين نوعين من الدول على رقعة الشطرنج الأوراسية: “الدول اللاعبة” القادرة على استخدام قوتها ونفوذها لتغيير الواقع الجيوسياسي، و”الدول المحورية” التي تمتلك موقعاً استراتيجياً يجعلها مؤثرة رغم محدودية قوتها.

ما يحدث اليوم في سوريا يؤكد أن الدولة السورية الجديدة تنجح بهدوء في تحويل نفسها من مجرد ساحة صراع إلى دولة تشارك بشكل مباشر في تشكيل معادلات المنطقة. فموقعها الجغرافي الذي يربط الخليج بالبحر المتوسط، وموانئها على الساحل السوري، جعلها محوراً لا غنى عنه في أي إعادة ترتيب لمسارات الطاقة والتجارة في المنطقة.سوريا لم تكتفِ بذلك، بل وسعت نطاق تحولها إلى ما وراء قطاع الطاقة.

فقد وقعت اتفاقيات مع تركيا والسعودية لإعادة تأهيل سكة حديد تربط أوروبا بالبحر الأحمر عبر الأراضي السورية، مما يوفر مساراً بديلاً لمضيق باب المندب وقناة السويس. كما أبرمت اتفاقيات مع العراق لتسهيل حركة البضائع من الخليج نحو أوروبا عبر أراضيها.

الدماء لا تذهب هباء

ما يحدث اليوم في القطاع والمنطقة يحمل رسالة واضحة لأولئك الذين يظنون أن المصابرة ودماء الشهداء تذهب هباءً. فالتحولات الكبرى لا تتحقق بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج تراكمي لعقود من النضال والصمود، تنضج في باطن الأرض كما تنضج الجذور قبل أن تبرز شجرةً باسقة.

وما نشهده اليوم من إعادة وضع سوريا على خريطة المنطقة، إنما هو في أحد أوجهه ثمرة للواقع الجيوسياسي الذي صنعته أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من هزّات عنيفة في بنية الكيان الصهيوني. فالحرب على غزة، بكل ما حملته من مجازر وحصار وتجويع، لم تمنح الاحتلال ميزة استراتيجية كما تصوّر، بل كشفت هشاشته، وأرهقت قواته، وأفقدته الكثير من رادعته على جبهات متعددة.

لعل أنفاق المقاومة في القطاع انتهت كطرق تموين ونجاة، لكنها قبل ذلك وبعده نخرت عميقاً في عظام الكيان، وأثبتت أن المواجهة الطويلة تستهلك العدو أكثر مما تستهلك الصامد. والدم المسفوح هناك لم يذهب سدى، بل صار نبراساً يضيء دروب المقاومين، وشعاراً تتصدح به حناجر الجيش العربي السوري على حدود الجولان.

ويتوقع أن يستمر هذا التأثير في تغيير الخرائط السياسية ورسم توازنات المنطقة. فالنيران التي يشعلها الاحتلال هنا وهناك، والمجازر الحاضرة، والحصار والتجويع في القطاع، والعربدة العسكرية على دول الجوار، كلها لم تضعه في موقف سياسي أفضل، بل زادت من عزلة الكيان وأفقدته أوراق القوة التي كان يرهنها لابتزاز جيرانه.

وفي المقابل، فتحت الطريق أمام سوريا و المقاومون الأصلاء في الميدان لا أجراء الصفوي لتقديم أنفسهم كحلول إقليمية، لا كأزمات عالقة.

خاتمة:

مفاتيح الشرق الأوسط في زمن تتغير فيه خريطة التحالفات والمسارات،

تثبت سوريا أن مفاتيح الشرق الأوسط لم تعد حكراً على القوى الكبرى أو الدول النفطية التقليدية. فالدول التي تمتلك الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والإرادة السياسية، والقدرة على قراءة تحولات العصر، يمكنها أن تتحول إلى فاعل إقليمي مؤثر.

سوريا الجديدة، التي كانت حتى وقت قريب تبحث عن مخرج، أصبحت اليوم ممراً للطاقة والتجارة، وشريكاً لا غنى عنه للعراق والخليج، ودولة بدأ الرئيس الأمريكي نفسه يتحدث عنها كبديل استراتيجي لأهم ممر مائي في العالم. وهذا التحول، في جوهره، هو انتصار للدبلوماسية الذكية التي تستند لانتصارات عسكرية حقيقية والتي تستثمر في الجغرافيا والتاريخ، وتقرأ المستقبل بعيون لا تغفل عن دروس الماضي.

شاهد أيضاً

لماذا استهدفت إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري؟

⚠️ لماذا استهدفت إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري؟ تحليل عبد الوهاب عاصي يبدو أنّ الهدف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *