بذرة ديمقراطية أم إعادة إنتاج الاستبداد؟
مجلس الشعب القادم
بذرة ديمقراطية أم إعادة إنتاج الاستبداد؟
بقلم: محمد ياسر جلو
تدخل سوريا مرحلة جديدة من تاريخها السياسي في الفترة الممتدة بين 15-20 سبتمبر 2025 عبر أول انتخابات لمجلس الشعب منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024
هذه الانتخابات التي وصفت بأنها “مفصلية” تأتي في ظل إعلان دستوري مؤقت وإطار انتخابي جديد يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل السلطة التشريعية في البلاد وحول طبيعة التغيير الديمقراطي المنتظر.
أُعلن عن الانتخابات بموجب المرسوم الرئاسي رقم 142 الصادر في 20 أغسطس 2025 والذي حدد تشكيل مجلس الشعب من 210 مقاعد، 140 منها تنتخب عبر نظام انتخابي مؤقت غير مباشر من خلال لجان محلية فيما يحتفظ الرئيس بحق تعيين 70 عضوًا من “أهل الكفاءات والخبرة” كما نص المرسوم لضمان التوازن والتمثيل المتنوع.
بموجب النظام الانتخابي المؤقت المعتمد لعام 2025، تم اعتماد آلية انتخاب غير مباشر لمجلس الشعب السوري، بديلًا عن التصويت الشعبي المباشر الذي كان متبعًا سابقًا، حيث تتولى لجان فرعية في كل محافظة تشكيل هيئات انتخابية محلية، تتألف من مرشحين يتم اختيارهم وفقًا لمعايير الكفاءة والخبرة الأكاديمية، بهدف تعزيز الطابع التشريعي للمجلس في ظل المرحلة الانتقالية.
تُرشّح كل لجنة فرعية ما بين 30 إلى 50 شخصًا لكل دائرة انتخابية، ليشكّلوا هيئة انتخابية محلية تنتخب بدورها ممثلًا واحدًا للمجلس، ويُنتظر تشكيل 14 لجنة فرعية، واحدة في كل محافظة سورية، تتولى تنظيم العملية داخل نطاقها الجغرافي، وتأتي هذه الآلية نتيجة غياب البنية التحتية اللازمة لإجراء انتخابات مباشرة، مثل بيانات تعداد سكاني دقيقة وسجل انتخابي شامل، ما دفع اللجنة العليا للانتخابات إلى تبني هذا النموذج المؤقت كحل عملي يتماشى مع ظروف المرحلة.
وفي 26 أغسطس أصدرت اللجنة العليا للانتخابات توزيع المقاعد على مختلف المحافظات السورية، فكانت حلب صاحبة الكتلة الأكبر بـ 32 مقعدًا، تلتها حماة وحمص وإدلب وريف دمشق بـ 12 مقعدًا لكل منها، فيما شهدت ثلاث محافظات سورية تأجيلًا للانتخابات بقرار من السلطات السورية مبررة ذلك بـ “الظروف الأمنية الاستثنائية”، وهذا التأجيل قد يُقرأ سياسيًا باعتباره إقصاءً مؤقتًا لمناطق لها وزنها الاجتماعي والسياسي، مما قد يترك أثرًا سلبيًا على شرعية المجلس المقبل وصورته التمثيلية، وعلى وحدة البلاد ونظامها السياسي.
إذ لا يمكن قراءة الانتخابات القادمة دون التوقف عند موقف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تسيطر فعليًا على أجزاء واسعة من شمال وشرق سوريا ولا سيما محافظتي الرقة والحسكة.
حيث رأت الأخيرة في تأجيل الانتخابات القادمة بمناطق سيطرتها دلالة واضحة على غياب التوافق السياسي وعلى هشاشة العملية الانتخابية برمتها، وفي بيان لها، قالت الإدارة الذاتية إن “الانتخابات ليست ديمقراطية ولا تعبر عن إرادة السوريين بأي شكل من الأشكال” كما اعتبرت إجراء الانتخابات في الوقت الراهن تغييب وإقصاء لقرابة نصف السوريين عن هذه العملية، ورفض البيان وصف مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرتها بأنها غير آمنة، لافتة إلى أن هذا التعريف يهدف إلى “تبرير سياسات الإنكار بحق أكثر من خمسة ملايين سوري”، كما دعت القوى الدولية والأمم المتحدة إلى عدم الاعتراف بهذه الانتخابات.
من جانب آخر يمكن قراءة موقف قسد على أنه رسالة مزدوجة ما بين رفض المشاركة في مؤسسات تراها غير شرعية وفي الوقت نفسه إبراز استعدادها للدخول في أي عملية سياسية جادة تضمن شراكة فعلية لمكونات المنطقة، بهذا المعنى فإن الانتخابات تبدو بالنسبة لقسد اختبارًا لإمكانية إدماجها في مستقبل سوريا السياسي أو استمرار استبعادها بما قد يعمق الفجوة بين المركز والأطراف.
لا شك أن إجراء انتخابات أيًّا كانت طبيعتها يعد خطوة رمزية في اتجاه بناء مؤسسات الدولة بعد عقود من الحكم الفردي، لكن التساؤل الجوهري يبقى هل هذه الانتخابات قادرة فعلًا على فتح الطريق نحو انتقال ديمقراطي حقيقي، أم أنها مجرد إعادة إنتاج لنموذج سلطوي بوسائل جديدة؟
المعارضون يشيرون إلى أن آلية الانتخاب غير المباشر وحق التعيين الواسع بيد الرئيس قد يحوّلان البرلمان إلى غرفة شكلية تعكس أكثر توازنات السلطة التنفيذية لا إرادة الناخبين، بينما يرى آخرون أن مجرد بدء العملية حتى وإن كانت محدودة قد يفتح الباب تدريجيًا أمام تطور سياسي لاحق خاصة إذا ترافق مع ضغط مجتمعي ومؤسساتي لتعزيز الشفافية.
الانتخابات القادمة لمجلس الشعب ليست مجرد حدث دوري بل اختبار لمستقبل سوريا السياسي في مرحلة ما بعد الأسد، بين طموحات الشارع في ديمقراطية تمثيلية حقيقية وحدود النظام الانتخابي الحالي، لذا تقف البلاد أمام مفترق طرق فإما أن تكون هذه الانتخابات بذرة تأسيسية لبرلمان يعكس إرادة السوريين أو تتحول إلى محطة شكلية تُضاف إلى سلسلة محاولات إعادة إنتاج السلطة بشكل جديد.
ومع تحديد مدة المجلس بـ30 شهرًا، أي نصف مدة المرحلة الانتقالية، يطرح السؤال: لماذا لم تُمنح الهيئة التشريعية كامل فترة الانتقال؟
هل يمكن للرئيس تعديل هذه المدة وفق إرادته إذا رغب بذلك، أم أن تحديدها نصف المدة كان لضمان توازن السلطة بين المجلس والرئاسة خلال هذه المرحلة الحساسة؟
هذا التساؤل يعكس جدلية السلطة المؤقتة، ويترك القارئ يتساءل عن مدى استقلالية البرلمان القادم وقدرته على التأثير فعليًا في صياغة مستقبل سوريا السياسي.
Alsharq News الشرق نيوز