الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / تحليل / بين التحديات والفرص : سوريا أمام لحظة الحقيقة

بين التحديات والفرص : سوريا أمام لحظة الحقيقة

بين التحديات والفرص : سوريا أمام لحظة الحقيقة

أحمد السالم 

تقف سوريا اليوم  عند مفترق طرق حاسمة ، فإما أن تكون هذه المرحلة بداية لتعافٍ حقيقي ، وإما أن تغرق البلاد أكثر في أزماتها المتراكمة .

لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا خلال العقود الماضية ، حتى باتت كل مشكلة فيها أزمة قائمة بذاتها ، وكل تحدٍّ أمامها يبدو كأنه جبل يصعب تسلقه .

لكن وسط هذه الصورة القاتمة ، لا تزال هناك فرص للخروج من عنق الزجاجة ، إذا ما توفرت الإرادة السياسية ، واتُّخذت القرارات الصائبة ، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح المؤقتة .

الأمن أولًا :

لا مكان للفوضى بعد اليوم، لا يمكن بناء دولة قوية دون أمن ، ولا يمكن الحديث عن اقتصاد مستقر أو عودة للحياة الطبيعية في ظل انفلات السلاح وانتشار الفلول والجماعات الخارجة عن القانون .

اليوم سوريا لا تزال تواجه تهديدات أمنية كبيرة ، بدءًا من فلول النظام البائد، التي تحاول رسم طريق الحرب الأهلية ، مرورًا بالحدود غير المنضبطة التي تُستغل للتهريب وتسلل المقاتلين الأجانب ، وصولًا إلى انتشار السلاح بشكل يهدد نسيج الدولة .

إن ضبط هذا الملف يتطلب حزمًا بلا تهاون ، فالاستقرار لا يُبنى على التسويات الهشة ، بل على سيادة القانون والضرب بيد من حديد على كل من يعبث بأمن البلاد .

الجيش والأجهزة الأمنية أمام مهمة تاريخية ، ليس فقط في القضاء على بقايا الشبيحة والمجرمين ، بل في استعادة الدولة لهيبتها كاملة ، بحيث لا يكون هناك أي سلاح خارج إطارها الرسمي .

الواقع الإقتصادي :

حرب أخرى يجب كسبها، إن كان الأمن هو التحدي العاجل ، فإن الاقتصاد هو التحدي الأخطر والأكثر تعقيدًا .

سوريا اليوم تعاني من انهيار في قيمة عملتها ، وتضخم غير مسبوق ، وندرة في الموارد الأساسية مثل الوقود والطاقة ، ناهيك عن إستمرار العقوبات التي فاقمت الأزمة .لكن الحقيقة أن الحل لا يكمن فقط في انتظار رفع العقوبات ، بل في إيجاد حلول من الداخل .

لماذا لا يتم تعزيز الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الخارج ؟

ولماذا لا تُفتح الأبواب أمام المستثمرين المحليين بدلًا من انتظار الاستثمارات الخارجية المشروطة ؟

إن تحفيز القطاعات الإنتاجية ، سواء الزراعة أو الصناعة ، يمكن أن يكون بداية لتعافٍ اقتصادي حقيقي ، بعيدًا عن المسكنات المؤقتة .

 

إعادة الإعمار : لا مجال للعشوائية

لقد دُمرت مدن بأكملها خلال الثورة ، ولا تزال هناك مناطق غير صالحة للسكن ، بينما يواجه النازحون واللاجئون صعوبات في العودة بسبب غياب البنية التحتية والخدمات الأساسية .

لكن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية بناء حجارة ، بل هي إعادة بناء دولة على أسس صحيحة ومدروسة .

لا يمكن أن تتم هذه العملية في ظل الفساد والمحسوبيات التي كانت أحد أسباب انهيار الدولة في المقام الأول .

يجب أن تكون هناك رؤية واضحة ومستدامة ، تعتمد على الشفافية ، وتستفيد من الشراكات الاقتصادية دون المساس بالسيادة الوطنية .

 

المصالحة الوطنية :

دون المساس بهيبة الدولة، لا شك أن الحرب خلفت انقسامات عميقة بين أبناء الوطن ، لكن المصالحة الحقيقية لا تعني التغاضي عن الجرائم أو تقديم تنازلات على حساب الدولة .

من تورط في الإجرام بحق الشعب السوري وساهم بالفوضى لا يمكن أن يكون جزءًا من المستقبل ، والمحاسبة العادلة يجب أن تكون أساس أي مصالحة .

أما المواطن السوري العادي ، الذي وجد نفسه في وسط الصراع دون أن يكون له يد فيه ، فهو يستحق العودة إلى وطنه بأمان ، وأن يكون جزءًا من عملية إعادة البناء ، دون خوف أو إقصاء .

 

إصلاح القضاء والعدالة الإنتقالية وسيادة القانون

ترسيخ مبدأ العدالة الإنتقالية ، وتوعية الشعب بهذا الإطار ، إن القضاء المستقل هو أساس أي دولة قوية .

النظام القضائي بحاجة إلى إصلاحات حقيقية تضمن استقلاليته ، وتمنع أي تدخلات سياسية أو أمنية في قراراته ،تحديث القوانين ، وتسريع المحاكمات ، وضمان حقوق المواطنين في التقاضي العادل ، كلها خطوات ضرورية لبناء ثقة الشعب في مؤسسات الدولة . 

 

السياسة الخارجية :

كسر العزلة والتعامل وفق المصالح، سوريا بحاجة إلى إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية ، فالعزلة السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد .

هناك اليوم بوادر لإنفتاح عربي وغربي على دمشق ، وهو أمر يجب استثماره بحكمة ، بعيدًا عن أي تنازلات تمس السيادة .

في الوقت ذاته ، لا بد من سياسة خارجية متوازنة ، تضمن لسوريا استعادة دورها الإقليمي والدولي ، دون أن تقع في فخ التحالفات التي قد تجرها إلى أزمات جديدة .

 

اللاجئون :

العودة بكرامة ولكن 

عودة اللاجئين السوريين يجب أن تكون أيضًا من الأولويات ، لكنها لا يمكن أن تتحقق دون ضمان بيئة آمنة لهم ، ليس فقط أمنيًا ، ولكن أيضًا اقتصاديًا واجتماعيًا.

هناك من يخشى العودة بسبب الإنفلات الأمني ، والظروف المعيشية الصعبة ، وشبه إنعدام الخدمات الأساسية ، وعدم وجود فرص عمل كافية ، وهذا يتطلب أن تكون الدولة قوية وملمة بمتطلبات الشعب ومواكبة للحداثة والتطور .

الحل يبدأ بتحسين الأوضاع داخل البلاد ، وتقديم ضمانات حقيقية للعائدين ، بعيدًا عن أي استغلال سياسي لهذا الملف .

 

الفساد :

عقبة يجب كسرها، إذا كان هناك مرض مزمن عانت منه الدولة السورية قبل الحرب ، فهو الفساد بلا شك .

لقد كان هذا السرطان أحد العوامل التي أدت إلى انفجار الأوضاع ، واليوم لا يمكن إعادة بناء دولة حديثة دون اجتثاثه من جذوره .

المحاسبة والرقابة يجب أن تكون شاملة ، من أعلى الهرم إلى أدناه ، وإلا فإن أي إصلاح اقتصادي أو سياسي سيكون بلا معنى .

 

الخدمات الأساسية :

الحياة الكريمة حق لكل مواطن، بعد سنوات من الحرب ، بات المواطن السوري يواجه صعوبة حتى في الحصول على أبسط حقوقه الأساسية ، من كهرباء ومياه وتعليم وصحة .

لا يمكن بناء دولة دون توفير هذه الخدمات للمواطنين ، ولا يمكن مطالبة الناس بالصبر أكثر مما صبروا .

يجب أن تكون هناك خطط طارئة لمعالجة هذه الأزمات ، بالتوازي مع خطط طويلة المدى تضمن استدامة هذه الخدمات وتحسين جودتها .

 

الإيمان بالشباب : طاقة ومستقبل سوريا

إن كان هناك من دفع الثمن الأكبر خلال هذه الثورة ، فهم الشباب السوريون . فقدوا أحلامهم وفرصهم ومستقبلهم ، حتى باتت الهجرة هي الخيار الوحيد أمامهم .

لا يمكن لسوريا أن تنهض دون شبابها ، ولا يمكن بناء اقتصاد دون طاقات جديدة ، ولا يمكن الحديث عن مستقبل دون جيل قادر على قيادته .

الحل يبدأ بخلق فرص عمل ، وتحفيز المشاريع الناشئة ، والثقة بهذا الجيل بأنه قادر على بناء وقيادة وطنه .

 

بين التحديات والفرص : القرار اليوم بيد الحكومة

 

نعم سوريا تواجه تحديات هائلة ، لكن هذا ليس قدرًا محتومًا .

القرار الأن بيد الإدارة الإنتقالية ، بيد من يملك السلطة الأن ، والقدرة على التغيير .

التحديات لن تحل نفسها ، والفرص لن تأتي إذا لم يتم استغلالها .

إما أن تكون هذه المرحلة بداية لعهد مزدهر ومستقر يتم فيه تصحيح الأخطاء السابقة ، واتخاذ القرارات الصعبة ، وإعادة بناء الدولة على أسس سليمة ، أو أن تبقى سوريا عالقة في دائرة الأزمات ، بلا أفق ولا حلول .

لقد صبر السوريون بما فيه الكفاية ، وحان الوقت لكي يحصلوا على دولة تستحق تضحياتهم ، دولة قوية ، عادلة ، مستقرة ، وقادرة على منحهم حياة كريمة ومستقبلًا آمنًا .

 

 

بقلم : أحمد السالم

شاهد أيضاً

هل يدخل الجيش السوري مدينة الرقّة أم يتوقّف جنوب النهر “غرب الفرات”؟

هل يدخل الجيش السوري مدينة الرقّة أم يتوقّف جنوب النهر “غرب الفرات”؟ (تحليل) عبد الوهاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *