حلف مكــة:
الكوامن تعيد الترتيب
لا تُصنع السياسة في الغرف المغلقة وحدها، ولا تُكتب مصائر الأمم على طاولات المفاوضات فقط. فهناك طبقة أعمق تعمل تحت الوعي المباشر، تُخزَّن فيها الصور والرموز والذاكرة الجماعية. ومن يسيطر عليها يوجّه القرار قبل اتخاذه. ومن هذا المنظور، تُقرأ الأنباء عن اتصالات سعودية سورية بشأن احتمال تقديم دمشق مساعدة عسكرية للرياض في مواجهة الحوثيين، مع تأكيد دمشق أن أولويتها محلية وأن أي تعاون يمر عبر القنوات الرسمية. ظاهرها ترتيب تكتيكي في اليمن والبحر الأحمر، لكنها في ما تحت الوعي تعني أن سوريا، التي كانت ساحة صراعات، تُطرح اليوم في ترتيبات أمنية إقليمية لا تمر بالضرورة عبر العواصم الغربية تضعها في مكانها الهوياتي الطبيعي والصحيح.
الوعي قد يكذب… واللاوعي يفضح
لم يكن الغرب يقرأ وعي الشعوب، بل وعي الأنظمة، في يناير 2011، قيل غربياً أن الحكم المصري مستقر، فانهار في أيام. وفي أيلول 2023، قيل أمريكياً أن الشرق الأوسط في أهدأ أحواله منذ عقدين، فجاء السابع من أكتوبر ليكشف مدى الهشاشة. وفي كانون الأول 2024، بدت دمشق للعالم نظاماً متماسكاً، قبل أن ينهار في ساعات. والأمر نفسه مع مراكز الدراسات الغربية قبل الربيع العربي؛ فقد كررت عبر تقاريرها الرسمية أن المجتمعات العربية والإسلامية محصنة ضد الثورة، وأن ثقافتها السياسية تقوم على الطاعة. لكن تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن أثبتت أن التقارير كانت ترصد ما يُقال في العواصم، لا ما يُخزَّن في الصدور.
القطاع: صدمة سابمينال subliminal
لم تكن الحرب على القطاع عسكرية فقط، بل حرباً على الوعي، أرادوا جعل الصمود مستحيلاً، والموت رقماً، والقضية ملفاً قديماً. لكن أكثر من سبعين ألف شهيد، وصور الدمار، والأطفال تحت الأنقاض، والمقاومين يخرجون من الأنفٓـ.ـاق، اخترقت الحواجز ودخلت اللاوعي الجمعي العالمي .
القطاع خاطب الفطرة التي ترفض الظلم، والذاكرة التي ترفض النسيان. ولهذا اعترفت دول إضافية بفلسـ.ـطين، وانتقل حل الدولتين من الهامش إلى شبه توافق عالمي، كانت صدمة مضادة تقول إن الحق لا يموت، وإن المقاومة تكسر هيبة القوة المادية.
النواة الصلبة
هذا التحول يستند إلى عمق تاريخي وجغرافي للفضاء الإسلامي، ولا سيما بأغلبيته السنية الذي يشكل أمة تتجاوز ملياراً وستمائة مليون مسلم. يحملون في مخيالهم الجمعي إرث الفاتحين ويملكون جغرافيا تسيطر على شرايين التجارة والطاقة: باب المندب وقناة السويس، ومضيق خالد، وقرابة ثلث الاحتياطي العالمي المؤكد للنفط في الخليج. عندما تتحرك هذه الكتلة، سيعاد ترتيب موازين القوى.
من الإعلان إلى التنفيذ
في السابع من آب 2025، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية حلف مكة للدفاع المشترك، تنص على أن أي هجوم على إحداها هجوم على الجميع، على غرار المادة الخامسة من الناتو. تركيا تجلب الخبرة العسكرية والصناعة الدفاعية، وباكستان القوة المجربة والقدرة النووية، والسعودية الثقل الاقتصادي والمالي. وقد انتقل الحلف إلى التنفيذ عبر اجتماعات إسطنبول ونيويورك والرياض، وأعلن البدء الفوري بالتزاماته، وعُيّن الفريق نعمان محمود أميناً عاماً له، كشف وزير الخارجية الباكستاني أن أكثر من ست دول أبدت اهتمامها بالانضمام.
الضرورة الجيوسياسية
أعلنت دمشق في آب 2025 أنها تدرس الانضمام إلى اتفاق مكة. وموقع سوريا عند تقاطع تركيا والعراق والأردن ولبنان والبحر المتوسط، ومتاخمتها للعدو الإسرائيلي، يمنح أي تحالف عمقاً جديداً. وانضمامها، حتى بصيغ مرحلية، يعيد دمجها في المنظومة الأمنية بعد عزلة. وفي هذا السياق تأتي أنباء المساعدة العسكرية المحتملة للرياض ضد الحوثيين، لكن تأكيد دمشق على أولوياتها المحلية والقنوات الرسمية يمنع القفز إلى استنتاجات متعجلة.
اليمن ولبنان: تصفية المستحدث
في اليمن، حقق الجيش الوطني انتصارات في حجة والبيضاء، ويقترب من مثلث عاهم، في مؤشر على تراجع الحوثيين مع استمرار القتال على عدة جبهات دون حسم مطلق .
وفي لبنان، بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، تفككت قبضة حزب الله على الدولة: حكومة من أربعة وعشرين وزيراً لم يمنح فيها الحزب سوى وزيرين، ولم يتبنَّ البيان الوزاري رواية ما كان يسمى المقاومة.
برمجة مضادة:
المعركة لم تُحسم. فكما برمج الغرب اللاوعي الإقليمي عبر الإعلام والتعليم واللغة والثقافة، يحتاج النظام الجديد إلى برمجة مضادة تخاطب ما تحت الوعي: المناهج، والفنون، والدراما، والأخبار، والخطاب الديني. يجب إزالة مفردات الهزيمة، وتغذية الوعي برموز الكرامة: غزة، والقدس، ومكة، والسيادة، والعدالة، والوحدة. وهنا يبرز العمق الإيماني البعد الثوري، الإعتقاد بأن الحق لا يموت، وأن النصر مع الصبر، ظل حاضراً في الوجدان، وحين يُترجم إلى فعل يتجاوز حسابات القوة المادية.
عود إلى القبلة:
ما يجري ليس مجرد إعادة ترتيب تحالفات، بل ثورة في اللاوعي الجمعي، بوصلة الأمة تعود إلى مكة، لا إلى عاصمة غربية، لا واشنطن ولا موسكو، وليست بالطبع طهران. والمراكز الفاعلة ليست النبطية ولا النجف ولا صعدة، بل إسطنبول ودمشق وصنعاء وعسقلان. هذه المدن، بثقلها التاريخي والرمزي، تعيد رسم النفوذ بعيداً عن الوصاية الغربية والمشاريع الطارئة. ومع ذلك تبقى الأولويات المحلية السورية والقنوات الرسمية ضوابط تمنع التعجل.
التاريخ أثبت أن هذه الأمة قد تمرض لكنها لا تموت. وعندما تعود بوصلة اللاوعي إلى مكة، فلا وصاية خارجية تستطيع أن تكتب مستقبلها.
د. أنس إياد الفتيّح
ناشط سياسي
Alsharq News الشرق نيوز