الأربعاء , يوليو 29 2026
الرئيسية / كلام سوريين / بين رقص النوادي و نحيب الطرقات

بين رقص النوادي و نحيب الطرقات

بين رقص النوادي و نحيب الطرقات

أنس الفتيح

في لحظةٍ ما، كان الطريق إلى ديرالزور يتحول إلى لوحةٍ من الحديد الملتوي والجثامين المنتشرة، وفي اللحظة نفسها، كانت المدرجات في العاصمة تهتزّ تحت وقع الأقدام الراقصة.

ليس المهم أن نعيد سرد التفاصيل، فالصور تتحدث عن نفسها، لكن المهم أن نتوقف عند السؤال الموجع: كيف يمكن لدماءٍ سورية أن تسيل في مكان، وترتفع أصوات الفرح في مكانٍ آخر، وكأنّ الوطن قد قُسّم إلى دوائر، بعضها يبكي والبعض الآخر يلهو؟

الأمر لا يتعلق بإلغاء الحياة، ولا بتجميد النشاطات الرياضية، ولا بإعلان الحداد الرسمي.

ما نحن بصدده أكثر عمقاً، إنّه يتعلق بغياب شيءٍ أساسي في تكويننا الجمعي، شيءٍ اسمه الإحساس، أو ربما الخجل، أو القدرة على التوقف للحظة والتفكير: هل يحق لي أن أفرح بينما عائلةٌ سورية تنتظر خبراً لا تريده؟

هل من الطبيعي أن أرقص وأنا أعلم أن أبناء بلدي دفنوا اليوم تحت التراب؟

السؤال المحرج ليس عن جمهور نادٍ معين، بل عن حالةٍ مجتمعيةٍ أوسع، عن ثقافةٍ أنتجتها سنواتٌ طويلة من الحرب والتطبيع مع الموت، سنوات جعلتنا نفقد القدرة على التمييز بين اللحظة المناسبة وغير المناسبة، بين الفرح الذي يليق والفرح الذي لا يليق. وكأنّ الموت، على مرّ السنوات، تحوّل من حدثٍ استثنائي إلى روتينٍ يومي، يمرّ أمامنا دون أن يحرّك فينا ساكناً.

سنوات كنا نظن اننا تجاوزناها بعد التحرير لكنها ماثلة أمامنا للاسف العدالة الغائبة والمجتمع المفكك.

لفهم هذا المشهد، لا بدّ من العودة إلى جذور المشكلة، وهي ليست مشكلة يوم أو عام، بل مشكلة تراكمت على مدى عقود. عندما تخلو الحياة السياسية من أيّ مساءلة، وعندما يصبح الدم السوري رخيصاً في ميزان القانون ، وعندما تغيب العدالة وتختفي المحاسبة، يتربّى المجتمع على ثقافة الإفلات، حيث يصبح الخطأ عادياً، وتصبح اللامبالاة أخلاقاً، ويصبح الموت شأناً خاصاً لا يعنيك إن لم يكن من دائرة معارفك.

سوريا لم تشهد حتى الآن أيّ عمليةٍ جادةٍ للعدالة الانتقالية، ولم تُكشف الحقيقة عن مصير مئات الآلاف، ولم يُحاسب المسؤولون عن الجرائم، ولم يُعوّض الضحايا بشكلٍ عادل. وبدون هذه العملية، يظلّ المجتمع معلّقاً بين الماضي والمستقبل، مشغولاً بالتراشق الاتهامي، عاجزاً عن بناء أيّ شكلٍ من أشكال التوافق الوطني.

فالعدالة الانتقالية ليست مجرد محاكم، بل هي اعترافٌ بأنّ هناك خطأً وقع، وأنّ هناك ضحايا يستحقون الإنصاف، وأنّ هناك مستقبلاً لا يمكن بناؤه إلاّ على قاعدةٍ من الحقيقة والمصالحة.وهنا تأتي أهمية القوانين التي تكافح ثقافة الإقصاء، وتجرم الخطاب الذي يكرس التمييز بين السوريين، وتحمي الفئات المهمشة من العنف اللفظي والمادي.

هذه القوانين ليست قيوداً على الحرية، بل هي أسوارٌ تحمي السلم الاجتماعي من الانهيار، وتضمن ألاّ يتحول أيّ اختلاف إلى صراع. لكن القوانين وحدها لا تكفي، فهي تحتاج إلى إرادةٍ تطبقها، ومجتمعٍ يؤمن بها، وإعلامٍ ينقلها للناس.إعادة التأهيل.لكن الأهمّ من القوانين، هو البعد الإنساني الذي غالباً ما يهمل في خطط إعادة الإعمار.

فالمدن يمكن إعادة بنائها بالخرسانة والحديد، لكن النفوس المدمرة تحتاج إلى وقت وجهد أكبر. سنوات الحرب لم ترقَ فقط جدران البيوت، بل تركت جروحاً عميقة في النفوس، جروحاً تجلّت في فقدان الثقة بالآخر، وانعدام الشعور بالانتماء، وانحسار مفهوم المصلحة العامة، وتضخّم الذاتيات على حساب الجماعة.

إعادة التأهيل الإنساني

هي مشروعٌ وجودي، يبدأ بالاعتراف بأنّ كلّ سوري يعيش ألماً، وأنّ الألم ليس حكراً على طرف دون آخر، وأنّ العلاج لا يكون إلاّ من خلال خلق فضاءاتٍ آمنة للحوار، وورشاتٍ تدريبيةٍ لتعزيز المهارات النفسية والاجتماعية، ودوراتٍ لتعليم التواصل الفعال وإدارة الصراعات. هذه البرامج ليست ترفاً ثقافياً، بل هي حجر الزاوية لأي مجتمعٍ يريد تجاوز صدماته وبناء علاقات جديدة قائمةٍ على الاحترام والتفاهم.كما أن إعادة التأهيل الهوياتي ضرورةٌ لا تقل أهمية، فالهوية الوطنية السورية تعرضت لاهتزازٍ كبير، وتمّ توظيف الانتماءات الطائفية (حلف الاقليات مثالا) والمناطقية ( سوريا المفيدة مثلا) كأدوات للصراع.

واليوم، نحن بحاجةٍ إلى إعادة بناء هويةٍ جامعة، تعترف بالتنوع وتحتفي به، وتجعل من الاختلاف مصدر غنىً لا مصدر تفرقة. الثورة السورية، في جوهرها، كانت تنادي بهذه الهوية، وبدولةٍ لا تهمش أحداً، ولا تفرّق بين سوري وآخر.

الرياضة كمرآة وكفرصة

مشهد نادي ونادي آخر، مشهد الفرح العارم مقابل الصمت الجليل،

هو مرآةٌ حقيقيةٌ لحالة المجتمع. لكنّ الرياضة يمكن أن تكون أيضاً فرصةً للتغيير، إذا ما أدرك القائمون عليها أن الأندية ليست مجرد منشآت رياضية، بل هي مؤسساتٌ تربويةٌ واجتماعية، قادرةٌ على بثّ قيم التسامح والمواطنة، وإعداد أجيالٍ تعرف كيف تفرح دون أن تنسى الموتى، وكيف تحتفي بالانتصار دون أن تجرح الخاسرين.لكن ذلك يتطلب تغييراً جذرياً في ثقافة الأندية، وفي مصادر تمويلها، وفي علاقتها بالسلطة. لا يمكن أن تظلّ الأندية أسيرةً لإرثها السياسي، أو مرتبطةً بشخصياتٍ كانت جزءاً من المنظومة القديمة، وتتوقع منها أن تكون منابرَ للتغيير. العدالة الانتقالية يجب أن تشمل الرياضة أيضاً، عبر إعادة هيكلة الاتحادات، ومحاسبة المتورطين في تمويل الأندية بأموالٍ غير مشروعة، ووضع قوانين تحظر التحريض والتمييز داخل الملاعب وخارجها.

دروسٌ من الموت

في النهاية، ما حدث في طريق دمشق – ديرالزور، وما صاحبه في احتفالات المدرجات ، هو درسٌ قاسٍ عن حالة وطنٍ لا يزال يتعثّر في طريق الشفاء. الوطن ليس ورقاً ولا حدوداً، بل هو شعورٌ بأنّ دماء الآخرين هي دماؤنا، وأنّ أحزانهم هي أحزاننا، وأنّ أفراحهم هي أفراحنا.

وحين يغيب هذا الشعور، يغيب الوطن نفسه.لا يمكن بناء سوريا جديدة، سوريا التي استشهد من أجلها الآلاف، دون أن نمرّ عبر بوابة العدالة الانتقالية، ودون أن نصدر قوانين تحمي السلم الاجتماعي وتجرم ثقافة الإقصاء، ودون أن نطلق مشاريعَ لإعادة التأهيل النفسي والهوياتي، تعيد للإنسان إنسانيته، وتعلّمه كيف يكون مواطناً قبل أن يكون منتمياً إلى منطقةٍ أو طائفة.

سنوات الحرب طويلة، والجروح عميقة، لكن الأمل في مستقبلٍ مختلف لا يزال قائماً. أملٌ نبنيه بأن نتعلم كيف نحزن معاً، قبل أن نفرح معاً، وكيف نكون وطناً، لا مجرد مجموعةٍ من الناس تعيش على أرضٍ واحدة. سوريا تستحق هذا الجهد، وتستحق منّا جميعاً أن نضع أيدينا على قلوبنا، ونتأكد أنها لا تزال تنبض بالشعور، بالخجل، بالمسؤولية.

شاهد أيضاً

ماذا لو كانت كرة القدم دولة؟

ماذا لو كانت كرة القدم دولة؟ فراس علاوي  ليس من المبالغة القول إن كرة القدم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *