الأحزاب بوابة النهوض والتصويب
مصعب سعود
عرفت سوريا الأحزاب السياسية منذ نحو قرن من الزمن عبر رجالاتها الوطنيين المعروفين والمحفوظين في كتبنا وأرشيفنا وذاكرتنا الشعبية، الذين وضعوا نصب أعينهم أهدافاً سامية، تمثلت في التحرر من الاستعمار، وإعلاء مصلحة الشعب، وبناء الدولة وحماية مقدراتها وأرضها، وذلك من خلال مسار واضح يضمن التحرر أولاً ثم تحقيق العدالة و الحرية والديموقراطية.
إن حزب /العهد/ و حزب /الاستقلال/ و/حزب الشعب/كمثال للاستئناس فقط.. والذي يعود تأسيسهم إلى عشرينات القرن الماضي، يقدمون لنا رسالة واضحة عن فكر الأجداد الأوائل السياسي ووعيهم لأهمية دور الأحزاب في قيادة المجتمع وتوجيه الحراك والنضال السياسي والعسكري.كما أن تشكيل /الكتلة الوطنية/ عام 1928م كمثال أخر.. يؤكد أن العمل السياسي الوطني الحر مناط بالجميع ، فقد كان رجالاتها حربة الدعم العسكرية والنضال السياسي ضد الاستعمار الفرنسي لنيل الإستقلال، وقد لعبت دوراً بارزاً في صياغة دستور 1930 وكذلك دستور الاستقلال الشهير.
هنا لا نريد أن نسرد أسماء تلك الأحزاب والكنل السياسية التي كانت جزءاً من مسار بناء الدولة السورية ولكننا أردنا الاشارة فقط إلى عظم دورها في تلك المراحل و لكونها لم تنتظر موافقة السلطات لأخذ دورها المناط بها.لقد نال من كوادرها عبرالزمن غضب السلطات والعسكر فهناك دائماً طاغية يريد الخلود ويرفض الأخر أياً كانت توجهاته، شيوعية وقومية وناصرية ودينية مادامت تهز عرشه الهش.

اليوم بعد 100 عام من رفاة الأجداد والمؤسسين الأوائل نسأل احفادهم وهم أبناء هذا الوطن اين أحزابكم التي تراقب عمل السلطات وتصوب الأخطاء وتؤكد على الطريق الصحيح ؟.
هل تنتظر الأحزاب التي قارعت سياسياً الأسدين المجرمين عبر عقود من النضال الصعب والمرير والتي وثقتها الأحداث وجدران زنازين صيدنايا وتدمر مما عرفنا ومما لم نعرف به تراخيصاً من السلطات للعمل السياسي!، أم انه يجب أن تفرض نفسها كفاعل ومراقب وداعم في بناء الدولة ومصوباً للأخطاء ؟.نعم تلك ذاتها التي وقفت مع ثورة شعبها وأهلها بكل أنواع الدعم المسموح، ورفعتها هدفاً غير قابل للمساومة بينما كان الأحرار يضحون بدمهم لإنجاح ثورتهم العظيمة فهذا يكمل بتلك.

عقب مرحلة الثورة في تاريخ الأمم، وبعد القصف والتهجير والتدمير والتخريب والإخفاء القسري تاتي مرحلة بناء الدولة، والبناء المؤسسي والاستقرار السياسي وتجاوز مرحلة الألم.
هنا تأتي الحاجة الملحة لوجود الأحزاب السياسية على الساحة الجغرافية السورية، إذ أن وجودها ليس ترفاً ووقتاً ضائعاً كما يعتقد البعض، بل دور محوري كأحد أهم الفاعلين في رسم ملامح المستقبل ومراقبة أداء السلطة و المسؤولين.إن من أبرز المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق الأحزاب السياسية في مرحلة بناء الدولة ..
أولاً : التحول الجذري من مرحلة “المعارضة الثورية للنظام المخلوع” إلى مرحلة العمل المؤسسي من خلال الانتقال من خطاب التعبئة للإحتجاجات والمظاهرات وتأمين الدعم المالي والسياسي للفصائل العسكرية ومنظمات المجتمع المدني إلى طرح الحلول والبدائل للإشكاليات والصعوبات الواقعية التي تواجهها السلطة اليوم في إدارة شؤون الدولة وتوظيف مقدراتها في التخفيف عن المواطنين.
ثانياً : المساهمة الفاعلة في صياغة العقد الاجتماعي والسلم الأهلي وكتابة الدستور وذلك من خلال وضع تصور للقواعد الناظمة للحياة السياسية، وضمان حقوق المواطنة، والفصل بين السلطات، وحماية الحريات العامة.
ثالثاً : الدعم بمفهوم الدولة وأهمية كل فرد فيها، من خلال برامج تسهم في تأطير وتوعية المواطنين بما يرفع الوعي السياسي المجتمعي لدى الناخبين، ويطور من البرامج الانتخابية المقدمة مستقبلاً، ويعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر بدلاً من الاستقطاب الحاد الذي يدمر مسار بناء الدول، وهو مايمكن تسميته بـ (التنشئة السياسية) الأمر الذي سينتج عنه قيادات مؤثرة وفاعلة.
رابعاً : يأتي دور بناء التحالفات والتوافقات الوطنية من المسؤوليات الهامة للأحزاب السياسية معتمدة بذلك على تغليب المصلحة الوطنية العليا والشعب على المصالح الحزبية الضيقة والمكاسب الشخصية، وهنا يتعزز دعمها لأي سلطة قائمة في مسار نهوض الدولة وتعرية الأخطاء وتصويبها، كما تسعى للبحث عن مساحات مشتركة بين السلطة والجماهير لتجاوز الأزمات والانقسامات التي تعقب الثورات.خامساً : إن أبرز دور للأحزاب السياسية يكون في الرقابة والمساءلة الفاعلة التي ترفعها السلطات في مسار بناء الدول.
وهنا يكون مراقبة أداء السلطة التنفيذية ومؤسساتها وإداراتها وتركيز الضغط عبر المؤسسات الدستورية والتشريعية ضمان للشفافية ومكافحة الفساد.
إن وجود الأحزاب السياسية وعملها ليس مرتبطاً بترخيص يصدر عن السلطات أياً كانت تلك السلطات، بقدر ماهو مرتبط بمدى قدرة تلك الأحزاب على محاكاة الاحتياجات السياسية والخدمية والاجتماعية والقانونية وغيرها للمواطنين، فلا حزب يقوم اليوم بدون حاضنة شعبية حتى لو كان أعظم المفكرين كوادره ولا حاضنة تؤمن بحزب ما لم يناضل ويكافح لتأمين لها جزءاً من احتياجاتها وما لم تجد قادتها أمامها في المطالبات فهل يا ترى أحزابنا السياسية المعلنة وغير المعلنة وعت لتلك المعادلة اليوم؟.
السوريون قدموا أعظم ثورة في التاريخ ومن حقهم أن يكونوا على اختلاف مشاربهم شركاء في بناء الدولة كما كانوا شركاء في النضال عبر 14 عاماً، كل في مكانه وعمله وتوجهه، ومن حقهم أيضاً أن يرفضوا أحزاباً بعينها او يقبلوها فتلك هي الحرية والديموقراطية، لذلك تكون الأحزاب على اختلاف توجهاتها اليوم ولو كانت لا تتفق مع السلطة بوابة النهوض والتصويب المنشود على طريق سوريا المستقبل.

Alsharq News الشرق نيوز