داخل مكتب الرئيس (12)
بقلم: سامر حبيب
هل كانت حرب تشرين (أكتوبر) مُدبّرة ومحددة الأهداف باتفاق مُسبق بين الطرفين العربي والإسرائيلي قبل اندلاعها؟ وهل صُمِّمتْ خصيصًا لمنح شرعية طويلة الأمد لنظامين لم يحكما بلديهما بإرادة شعبية، ولم يحققا أي إنجاز يُذكر، سواء على مستوى الصراع مع إسرائيل أو على صعيد الاقتصاد والتنمية في بلديهما؟لن يكون للرواية العربية الرسمية – التي تتحدث عن بطولات كبرى للزعيمين وعن انتصار إلهي – أي دور فيما سنطرحه هنا، بل سنستند بالأساس إلى الروايات السوفيتية والغربية والإسرائيلية ذاتها.لقد وصل الرئيسان السادات والأسد إلى سدة الحكم بشكل متزامن في عام 1970؛ حيث تولى السادات السلطة استنادًا إلى تراتبية مؤسسية بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، إذ كان السادات نائبًا له، ولم تواجهه عقبات كبرى تهدد وجوده أو شرعيته السياسية آنذاك. في المقابل، احتاج الأسد إلى ثلاثة انقلابات عسكرية للوصول إلى السلطة (انقلاب عام 1963، وانقلاب عام 1966، ثم انقلاب عام 1970). وكما أسلفنا في مقالاتنا السابقة، فقد واجه الأسد أزمات حادة عند دخوله مكتب الرئاسة عام 1971؛ تمثلت في غياب الشرعية الثورية لإيداعه رفاق دربه في السجون، وأزمة الشرعية الدستورية المرتبطة بخلفيته المذهبية، فضلًا عن افتقاره للشرعية الشخصية كونه لم يُختبر سابقًا في قضايا الإدارة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.بناءً على ذلك، كان حافظ الأسد هو الأكثر حاجة لخوض هذه الحرب. ومع ذلك، فإن كلا الرجلين (الأسد والسادات) لم يدخلا المعركة بهدف إنهاء وجود إسرائيل أو حتى تهديده، بل كان مبتغاهما الأساسي هو إكساب نظاميهما الشرعية على المستويين الداخلي والإقليمي. وهذا الطرح ليس مجرد تخمين أو تخرصات، بل هو استنتاج دقيق خلصتُ إليه من خلال دراستي التفصيلية لمجريات المعركة على الجبهتين ساعة بساعة.حتى يومنا هذا، لم يظهر للعلن دليل واحد يثبت أن الحرب كانت مدبرة بتنسيق مسبق بين إسرائيل من جهة، والسادات والأسد من جهة أخرى؛ إذ لم يكشف الأرشيف الأمريكي، أو البريطاني، أو السوفيتي، أو الإسرائيلي عن أي وثيقة تدعم هذا المسار. بيد أن هناك وثائق مؤكدة تثبت أن العاهل الأردني، الملك حسين بن طلال، قد التقى برئيسة الوزراء الإسرائيلية “غولدا مائير” قبل أحد عشر يومًا من اندلاع الحرب، ليطلعها على تحضيرات عسكرية سورية لشن هجوم، مرجحًا تزامنه مع هجوم مصري. ولم يدرج بعض المؤرخين والخبراء هذا التصرف في خانة الخيانة، بل رأوا أن الملك كان يخشى أن يتسبب هذان الضابطان – الحديثا العهد بالحكم – في نكسة جديدة تحاكي نكسة عام 1967. وفي السياق ذاته، أشار تقرير شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) آنذاك، برئاسة “إيلي زعيرا”، إلى عدم التعامل مع تلك التحذيرات بجدية، نظرًا لأن المعطيات الاستخباراتية لديهم كانت تؤكد عدم قدرة الدولتين على شن حرب كهذه.ومما تؤكده المصادر الغربية والإسرائيلية، هو حدوث إرباك هائل وتخبط شديد على مستوى القيادتين العسكرية والسياسية في إسرائيل خلال الأربع وعشرين ساعة الأولى من الهجوم، وهو ما يعزز النظرية القائلة بأن الإسرائيليين لم يعلموا بالهجوم ولم يتوقعوه (رغم تحذيرات الملك حسين)، وينفي فرضية التواطؤ أو التدبير المسبق معهم.بيد أن مجريات الأحداث تؤكد اتفاق الأسد والسادات على أمرين محددين؛ الأول: شن هجوم متزامن، والثاني: الامتناع عن التوغل عميقًا داخل الأراضي المحتلة حتى وإن سمحت المعطيات الميدانية والعسكرية بذلك، وهو ما تجلى بوضوح في أول ثمانٍ وأربعين ساعة من المعركة. وهنا أقول: إن الغاية المبتغاة من الحرب هي التي تحدد حجم وشكل التحركات العسكرية داخلها؛ وحيث إن الهدف الأسمى للرجلين كان ترسيخ شرعية حكمهما لا خوض حرب مفتوحة وشاملة لاستئصال إسرائيل، فقد كان هذا الخيار المقيد هو المعتمد.وهذا المنطق يبدو مفهومًا ومبررًا (من منظورهما الشخصي)؛ إذ لسان حالهما يقول: “لا أبتغي من إعلان الحرب والتوغل في عمق الكيان تهديد وجوده وإثارة القوى العالمية مثل أمريكا وبريطانيا ضدي، فبدلاً من أن أظل الرئيس البطل الحاكم، قد أتحول إلى ’شهيد الأمة الرئيس السابق‘”. لذا، فحتى لو امتلكا القدرة على الوصول إلى شواطئ فلسطين، فلن يفعلا ذلك.ولماذا أذهب إلى هذا القول؟ لأننا لو فتشنا في التاريخ العسكري المعاصر عن نموذج يبرز الأثر الحاسم لـ”عنصر المفاجأة” في تغيير مسار الحروب، لكانت هذه الحرب المثال الأبرز عالميًا، بالنظر إلى كونها حربًا نظامية بين دول لا حرب عصابات، فضلاً عن كون المفاجأة إستراتيجية تمثلت في توقيت انطلاق الحرب نفسه وليست مجرد تكتيك طارئ أثناء القتال.فقد اندلع الهجوم يوم السبت، في ذروة الأعياد اليهودية (يوم الغفران)، والجانب الإسرائيلي في حالة استرخاء تامة. وأفادت التقارير السوفيتية حينها بعدم رصد أي مؤشرات تحضيرية علنية في مصر وسوريا يمكن للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عبرها كشف هجوم بهذا الحجم. وجاءت الضربة متزامنة بدقة على جبهتين متباعدتين تطوقان إسرائيل من الشمال والجنوب.وكان القاسم المشترك بين الجبهتين هو تحقيق القوات المصرية والسورية اختراقات ميدانية هائلة حتى مساء الإثنين، الثامن من تشرين الأول (أكتوبر). ولو أُطلقت يد القيادات العسكرية الميدانية آنذاك لتغير مسار المعركة – بل ومسار التاريخ – تمامًا؛ فمن شدة وطأة الهجوم وعمق الاختراق والتخبط الإسرائيلي، بدأ الإسرائيليون في الداخل يرددون عبارات من قبيل “لقد انتهت إسرائيل.. وضاع الحلم”. ولكن، وبشكل مفاجئ، صدرت الأوامر السياسية على كلتا الجبهتين بالتوقف عند خطوط معينة، مما أتاح الوقت اللازم لتدفق الاحتياط الإسرائيلي، ومكّن جيش الاحتلال من استعادة زمام المبادرة وإعادة ترتيب صفوفه.فهل تلقى الأسد والسادات أوامر بالتوقف؟
.. يتبع
.تنويه وإخلاء مسؤولية:تمت مراجعة وصياغة هذا المقال وتحويله إلى اللغة العربية الفصحى باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الالتزام التام والكامل بالحفاظ على الأفكار، المعاني، والمسارات التحليلية الأصلية للنص.
يرجى العلم بأن كافة المعلومات والآراء الواردة في المقال تقع مسؤوليتها الفكرية والقانونية الكاملة على عاتق الكاتب نفسه، ولا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي أو التوجه الفكري للموقع.
Alsharq News الشرق نيوز