الجمعة , يونيو 12 2026
الرئيسية / تحقيق صحفي / داخل مكتب الرئيس 4
Screenshot

داخل مكتب الرئيس 4

إليك صياغة المنشور في قالب مقال صحفي وتوثيقي باللغة العربية الفصحى الرصينة، مع الحفاظ على كافة التفاصيل والمعلومات الواردة في النص الأصلي دون أي حذف أو إسقاط، وإضافة الفقرة الخاصة بمسؤولية الكاتب الفكرية:

​سلسلة «داخل مكتب الرئيس» — الجزء الرابع

سامر حبيب

​إخلاء مسؤولية وتنويه فكري

تنويه: إن الأفكار، القراءات، والتحليلات التاريخية الواردة في هذا المقال تعبر بشكل كامل وحصري عن وجهة نظر كاتبها ورؤيته الخاصة في محاكمة الأحداث والمحاضر التاريخية، وهو المسؤول الأول والأخير عما ورد فيه من استنتاجات وتأويلات مبنية على الوثائق المتاحة.

​العسكر والشعارات: تلاقي المصالح وصناعة “الشرعية الثورية”

​سعى حزب البعث بكل قوته للوصول إلى سدة الحكم، إلا أنه أدرك مبكرًا أن شعارات القومية العربية وحدها لن تمنحه السلطة التي يطمح إليها. من هذا المنطلق، اتجهت استراتيجية الحزب نحو استقطاب ضباط الجيش ليكونوا هم طليعة الحزب والقوة الضاربة له. وبالمقابل، وجد أولئك الضباط في شعارات الحزب غطاءً شرعيًا يمنحهم التبرير العقائدي، ومشروع حكم متكامل الأركان.

​في ظل هذا التلاقي المصلحي، انضم كل من صلاح جديد، وحافظ الأسد، ومحمد عمران إلى صفوف الحزب، وتدرجوا في رتبه ومستوياته بسرعة قياسية ليتصدروا المشهد القيادي. وتوج هذا المسار بالانقلاب العسكري في الثامن من آذار عام 1963، والذي أطلقوا عليه لاحقًا اسم “ثورة آذار”.

​إن جميع الانقلابات العسكرية التي سبقت انقلاب البعث في التاريخ السوري لم تطلق على نفسها مسمى “ثورة”، غير أن البعثيين اتخذوا قرارًا حاسمًا بعدم التخلي عن السلطة تحت أي ظرف من الظروف. ولتثبيت أقدامهم في الحكم، كانوا بحاجة ماسة إلى ما يُعرف بـ “الشرعية الثورية”؛ وهي الشرعية التي تمنع بالضرورة قيام أي ثورة مضادة ضد نظامهم، انطلاقًا من مبدأ إقصائي مفاده: «لقد قمنا بالثورة وانتهى الأمر، فماذا عساك أن تفعل أنت؟».

​واجهة الحكم وانقلاب شباط 1966

​في إطار ترتيب الأوراق، استُدعي شخصية غير سياسية ولا تتمتع بالحنكة، بل وكان بعيدًا كل البعد عن ضباطه وعناصره، وبالتالي لم يكن يمتلك أي حاضنة أو قاعدة حقيقية داخل المؤسسة العسكرية، بل إنه لم يكن مشاركًا في “الثورة” أصلاً. كان الهدف من تولية هذه الشخصية لقيادة الحزب والدولة هو إبقاؤه في حالة امتنان دائم لهم طوال العمر، لأنه مُنح منصبًا لا يستحقه؛ وكان هذا الشخص هو أمين الحافظ.

​أراد الضباط البعثيون أن يكون أمين الحافظ مجرد واجهة مؤقتة لفترة زمنية محددة، ريثما يتمكنون من ترتيب بيت الحزب والجيش من الداخل. وبالفعل، لم يدخل أمين الحافظ معهم في أي مواجهة أو صدام يُذكر ليكون لهم حجة أو ذريعة للانقلاب عليه، ومع ذلك، نفذوا انقلابهم العسكري ضده في شباط من عام 1966.

​محاكمة عقلية لحدث مفصلي: زيارة الأسد إلى لندن

​قبل وقوع انقلاب شباط 1966، حدث أمرٌ أعتبره شخصيًا الحدث الأهم والأخطر في تاريخ سوريا المعاصر وتاريخ حزب البعث على حد سواء، وهو زيارة حافظ الأسد إلى بريطانيا.

​وقبل الخوض في تفاصيل هذه الواقعة، يهمّني توضيح أمر أساسي: أنا أعلم يقينًا أن البعثيين، واليساريين، والقوميين، ونخبة واسعة من المثقفين السوريين والعرب يُكنّون الاحترام لشخص حافظ الأسد. ولذلك، فإن ما سأورده في السطور القادمة من المقال لا يستهدف تشويه صورته أو توجيه اتهامات بالخيانة، بل هو محض “محاكمة عقلية ومنطقية” مجردة لهذه الحادثة التاريخية.

​تفاصيل الزيارة من واقع الأرشيف البريطاني

​في نيسان من عام 1965، اشتكى حافظ الأسد —وكان حينها برتبة عميد وقائدًا للقوات الجوية السورية— من آلام في العمود الفقري. ورغم منصبه وحلفاء الدولة، إلا أنه لم يطلب العلاج في مشافي سوريا، أو لبنان، أو مصر، ولا حتى في الاتحاد السوفيتي (الحليف الاستراتيجي)، بل أصر على طلب العلاج في بريطانيا.

​حتى هذه اللحظة، قد يبدو الأمر طبيعيًا ومقبولاً في سياقه العلاجي، ولكن ما حدث فور وصوله إلى العاصمة البريطانية لندن لم يكن طبيعيًا على الإطلاق.

​فقد أفرج الأرشيف البريطاني عن مراسلات سرية خاصة بوزارة الخارجية البريطانية تتعلق بزيارة الجنرال الأسد، تفيد بأنه استُقبل في المطار رسميًا من قِبل السير “تيري كلارك”، كما تذكر المراسلات اجتماعه لمدة ساعة كاملة مع السيد “جورج تومسون” وزير الدولة لشؤون الخارجية البريطانية. كما كشفت الوثائق عن برنامج زيارات مكثف ومضغوط زمنيًا لم تُكشف تفاصيل فحواه بالكامل. وهنا أقتبس نصًا ما ورد في الوثيقة البريطانية:

​”لقد بذلنا جهداً في الرد على الطلب الوارد في برقيتكم رقم 218 تاريخ 28 نيسان الذي ينص على بذل الجهد بالترحيب بقائد سلاح الجو السوري الجنرال الاسد. قوبل في المطار من قبل تيري كلارك ورتبت وزارة الدفاع برنامجاً له بما في ذلك دعوة رئيس هيئة الاركان الجوية ومنحه السيد جورج تومسون وزير الدولة لشؤون الخارجية البريطانية ساعة للنقاش في فترة بعد الظهر .. انتهى الاقتباس”

Screenshot

​تساؤلات منطقية تفرض نفسها

​إذا وضعنا هذه المعطيات تحت مجهر المحاكمة العقلية، فلا بد لنا من طرح الأسئلة الجوهرية التالية:

  • أولاً: إذا كان الأسد قد توجه إلى بريطانيا بصفة رسمية وموفدًا من قِبل الدولة السورية للقاء أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية البريطانية، فلماذا تعلل بالمرض واتخذه حجة للسفر؟ لا سيما وأن الأرشيف الرسمي السوري لم يذكر من قريب أو بعيد إيفاد قائد سلاح الجو إلى بريطانيا لإجراء أي محادثات عسكرية أو سياسية مع رئيس هيئة الأركان الجوية البريطانية أو وزير الدولة للشؤون الخارجية.
  • ثانيًا: إذا كان دافع الأسد الحقيقي هو العلاج الفعلي، فلماذا اختار بريطانيا تحديدًا، في وقت كان من الواضح فيه وجود برنامج سياسي ودبلوماسي مُعد ومجدول مسبقًا للزيارة بحسب الأرشيف البريطاني؟ خاصة وأن الأسد لم يجرِ هناك أي عملية جراحية معقدة يتعذر إجراؤها في مكان آخر، بل اقتصر الأمر على فحوصات طبية عامة يمكن القيام بها في أي مشفى.
  • ثالثًا: لماذا تقرر دولة عظمى بحجم بريطانيا استقبال جنرال من دولة صغيرة، جاء بناءً على طلب إذن سفر شخصي قدمه لسفارتها في دمشق (وفقاً للأرشيف البريطاني) ولم يأتِ كموفد رسمي من حكومته، ثم تحيطه باستقبال رفيع المستوى على أعلى المستويات السياسية والدفاعية؟

​لغز الوفد المرافق والمترجم الغامض

​يقودنا الفحص التدقيقي للزيارة إلى تساؤل آخر حول هوية من رافق الأسد؛ فقد كان برفقته على متن الطائرة وفي الزيارة ناجي جميل، لكن المفارقة أنه مُنع منعًا قاطعًا من حضور أي اجتماع عقده الأسد مع المسؤولين الإنجليز. كما كان في استقباله بالمطار القائم بأعمال السفارة السورية في لندن بصفته الدبلوماسية كمترجم مفترض، إلا أنه هو الآخر استُبعد ولم يحضر لقاءات الأسد المغلقة.

إذًا، من الذي تولى مهمة الترجمة لحافظ الأسد في تلك اللقاءات الحساسة؟ أم أنه كان يجيد الإنجليزية؟

الحقيقة التوثيقية تشير إلى أن معرفة الأسد باللغة الإنجليزية كانت محدودة للغاية ولا تتجاوز عبارات أولية وبسيطة للغاية مثل “افتح الباب” (Open the door) و”أغلق فمك” (Shut your mouth). ولكنه اصطحب معه خصيصًا من دمشق الدكتور يوسف الصايغ، وهو طبيب مسيحي تلقى تعليمه في بريطانيا، ويمتلك لغة ممتازة ومعرفة واسعة بلندن، مع التأكيد على أنه لم يكن دبلوماسيًا، ولا عسكريًا، ولا حتى موظفًا في السلك الحكومي للدولة.

​النهاية الغامضة للدكتور الصايغ

​هنا تفاجئنا الأقدار بحدث درامي ومريب؛ فبعد شهرين فقط من عودة الدكتور يوسف الصايغ من لندن برفقة الأسد، توفي إثر حادث سير مروع تسبب في انقلاب سيارته على طريق الزبداني، وعُزي السبب حينها إلى “تعطل مفاجئ في المكابح”!

​هل يمكن أن يكون الحادث قضاءً وقدرًا وعملًا عرضيًا؟ ربما يكون كذلك.. ولكن الحقيقة الثابتة هي أن الدكتور يوسف كان هو الشخص الوحيد والـمُطّلع على كامل تفاصيل وأسرار المحادثات التي أجراءها الأسد في لندن مع مختلف الشخصيات البريطانية.

ملاحظة تاريخية: تعد هذه هي المرة الأولى في تاريخ التوثيق السياسي السوري التي يتم فيها ذكر وتناول هذه المعلومة الخاصة بالدكتور يوسف الصايغ.

​خاتمة واستنتاج

​لقد أفضتُ واسترسلتُ في شرح تفاصيل زيارة حافظ الأسد إلى بريطانيا لتوضيح كل ما أحاط بها من ملابسات وظروف، وسأترك لكم —عبر المنطق والعقل— استنتاج ما وراء السطور.

​وفي الأجزاء القادمة من سلسلة “داخل مكتب الرئيس”، لن نعتمد على هذه الزيارة لإطلاق أحكام جازمة بأن الأسد كان “رجل بريطانيا في الشرق الأوسط”، ولكننا في الوقت ذاته، لن نتغافل عنها وعن دلالاتها بأي حال من الأحوال.

ملاحظة:المقال منشور باللهجة المحلية وتم تحويله للفصحى بمساعدة ai

يتبع…

شاهد أيضاً

حدث في متل هذا اليوم 11 حزيران/ يونيو 1932انتُخب محمد علي العابد أول رئيس لسوريا في عهد الجمهورية

متل اليوم ب 11 حزيران/ يونيو 1932انتُخب محمد علي العابد أول رئيس لسوريا في عهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *