تنويه: إن الكاتب هو المسؤول عن كل ما ورد في هذا المقال من معلومات وآراء، والموقع لا يتبنى الأفكار الواردة فيه بأي شكل من الأشكال.
داخل مكتب الرئيس5
سامر حبيب
في المقال السابق مررتُ سريعاً ببعض الأحداث التي تخدم الفكرة التي أنشأنا من أجلها هذه السلسلة، وتجاوزتُ مجموعة من الأحداث لأنني أريد الوصول إلى تاريخ دخول حافظ الأسد إلى مكتب الرئاسة عام 1971.
.يتناول هذا المنشور السنوات الخمس الفاصلة بين انقلاب البعث على نفسه عام 1966، ودخول حافظ الأسد مكتب الرئاسة، والتي كانت السنوات الأهم في حياته.
انقلاب عام 1966 وإقصاء رموز الدولة نفذت القوة العسكرية الضاربة في الجيش، والتي كانت بإمرة صلاح جديد وحافظ الأسد ورفاقهما، حركة دموية لم يكن لها مبرر لإسقاط رموز الحزب والدولة. ونتيجة لذلك، تم نفي الجميع خارج البلاد، بمن فيهم أمين الحافظ، وميشيل عفلق، وصلاح البيطار، وغيرهم.بعد ذلك، رُقّي حافظ الأسد إلى رتبة لواء وعُيّن وزيراً للدفاع، وبعد أشهر قليلة حدثت نكسة عام 1967.
إن ما جرى في حزيران 1967 لا يزال مثار جدل وأخذ ورد بين السوريين؛ حيث يُتّهم حافظ الأسد بتسليم الجولان بحكم منصبه وزيراً للدفاع، وبأنه أصدر إيعازاً بالانسحاب قبل الهجوم الإسرائيلي.محاكمة منطقية لأحداث نكسة 1967وهنا أيضاً، سنلجأ إلى محاكمة عقلية لمعرفة حقيقة ما حدث. أنا لا أسعى هنا لتبرئة الأسد أو اتهامه بشيء، وإنما سنخضع الأمر برمته لمحاكمة منطقية بغض النظر عن اسم وزير الدفاع، سواء كان حافظ أو غيره.لنفترض أن وزير الدفاع السوري حافظ الأسد كان خائناً وأصدر أوامر تسببت بسقوط الجولان دون قتال، فنَسأل هنا:ما الذي حدث على جبهة سيناء؟وماذا عن جبهتي الأردن ولبنان؟كان جمال عبد الناصر زعيم أكبر وأقوى دولة عربية، وزعيماً للأمة، وكان يصرح يومياً بأنه لا يخشى اليهود ولا يهاب مواجهتهم هم ومن يساندهم. وبحسب الرواية المصرية، فإن الجاسوس المصري داخل إسرائيل “رفعت الجمال” (رأفت الهجان) كان قد أبرق للمخابرات محذراً إياهم من هجوم وشيك.ولكن ما حدث هو أن مصر مُنيت بهزيمة منكرة، ودُمِّر الجيش المصري في غضون ساعات دون أن يحرك ساكناً، وسقطت سيناء—وهي مساحة هائلة—بيد إسرائيل، ولم نسمع أن المصريين اتهموا عبد الناصر ببيع سيناء!في المقابل، كانت سوريا في وضع مشتت، إذ لم يكن قد مضى على الانقلاب الأخير سوى أشهر قليلة، وكان جيشها ضعيفاً وقيادتها يافعة شابة لا تمتلك الخبرة، ولم يكن لديهم جاسوس داخل إسرائيل يحذرهم. فهل تسبب حافظ الأسد وحده بسقوط الجولان، وسيناء، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وجنوب لبنان؟بناءً على ذلك، أستنتج أننا أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: أن إسرائيل استخدمت قوة عاصفة، مرعبة، غير مسبوقة وغير متوقعة، بحيث لم يستطع أحد المقاومة أو الرد، بما في ذلك مصر عبد الناصر.الخيار الثاني: أن الجميع كانوا عملاء وخونة، بدءاً من عبد الناصر، مروراً بملك الأردن، وصولاً إلى صلاح جديد وحافظ الأسد والقيادات اللبنانية والفلسطينية.سأترك لكم حرية اختيار أحد هذين الاحتمالين.
صلاح جديد وحافظ الأسد: المقارنة الصعبةمن عَرَف صلاح جديد عن قرب، كان يعلم أنه تميز بأمرين؛ أحدهما سيئ والآخر جيد:الأمر السيئ: أنه كان طائفياً، طائفياً أكثر من أي شخص يمكن أن تقابله في حياتك.الأمر الجيد: أنه كان قائداً عسكرياً إدارياً وصارماً؛ فقد منع السرقة في الجيش منعاً باتاً، حتى السرقات الصغيرة كبضعة لترات من البنزين أو المازوت، أو قطع غيار السيارات، أو حتى طبق بيض وكيس حليب.وقد ضبط أمور الجيش بشكل مذهل خلال سنوات قليلة، لكنه لم يكن يعلم أنه يفعل ذلك خدمةً لحافظ الأسد، وأن الجيش المدرب، المنظم، والمؤهل الذي سيطر عليه الأسد عام 1970 كان نتاج عمل صلاح جديد.

عندما سألت أحد الأصدقاء المطلعين على تفاصيل ما حدث، والذي عاصر الرجلين وكان مدرباً لهما في الكلية العسكرية—وهو صديقي السيد سعيد جاويش (من مواليد 1928، وقد ذكرته سابقاً في منشورات الجاسوس إيلي كوهين، وهو لا يزال على قيد الحياة)—سألته التالي:”إذا كان الغرب هو من يقف وراء اختيار القيادة وتنصيب الرئيس في سوريا، وكانوا يريدون إيصال ضابط بعثي قوي ينتمي إلى الطائفة العلوية تحديداً، فإن هذه المواصفات تنطبق على صلاح جديد وحافظ الأسد بالمعايير ذاتها، بل إن صلاح كان أقوى من حافظ وأكثر تميزاً، وله قاعدة شعبية أمتن في جبال العلويين، فلماذا دعموا حافظ في انقلابه على صلاح؟”فأجابني قائلاً:”لأن صلاح جديد كان حليفاً للسوفييت؛ والسوفييت دعموا صلاح في انقلاب عام 1966 واعتبروا وصوله إلى قيادة سوريا تحصيل حاصل. وكان صلاح مخلصاً بطبيعته، ويرى أن إقامة أي علاقة مع الغرب تُعد خيانة لمبدأ التحالف والصداقة مع السوفييت. بينما حافظ الأسد—وإن لم يكن عدواً للسوفييت—لم يكن لديه أي مشكلة في التفاهم والتعاون مع الغرب. صلاح كان متصلب الرأي (ابن قرية لا يجيد المناورة السياسية)، في حين كان حافظ لاعباً سياسياً وبراغماتياً”.
في تشرين الثاني عام 1970، نفذ الأسد خطته وقام بـ”الحركة التصحيحية”. وإذا كان أحد يتساءل كيف استطاع حافظ القيام بذلك رغم ذكاء صلاح ومجموعة الضباط “الثعالب” الذين لا يُستهان بذكاء أي منهم، فإن جواب سعيد جاويش كان شافياً وكافياً: عقلية براغماتية تستطيع التفاهم مع السوفييت والغرب معاً.وأنا أعتقد أنه حتى لو أصبح صلاح جديد هو الرئيس، لكان الغرب قد دبّر انقلاباً عليه عاجلاً أم آجلاً، لأنهم لا يسمحون بوصول شخص لا يمكن التفاهم معه ولو في حده الأدنى.حصاد عشر سنوات من الانقلابات في عام 1971، دخل حافظ الأسد مكتب الرئاسة. ولكن إذا نظرنا إلى السنوات العشر السابقة، سنجد سلسلة من الاضطرابات:
1961: انقلاب عبد الكريم النحلاوي على الجمهورية العربية المتحدة وضباط عبد الناصر.
آذار 1963: انقلاب البعث على ناظم القدسي.
شباط 1966: انقلاب البعث على نفسه.
تشرين الثاني 1970: انقلاب حافظ الأسد على رفاقه.عشر سنوات شهدت أربعة انقلابات دموية غيّرت وجه سوريا منذ الاستقلال وحتى ذلك اليوم، وأسست لنهج جديد استمر لـ 54 عاماً.
ما الذي كان يخيف حافظ الأسد أثناء جلوسه في مكتب الرئاسة في يومه الأول؟
لا شيء سوى الانقلاب!لقد كان أمامه طريق واحد لمنع أي انقلاب ضده، وقد سلكه بحنكة عالية وبطريقة شديدة الدهاء.
سنتحدث عن ذلك في المقال القادم.
يتبع…
ملاحظة: تم تحويل هذا المقال من اللهجة المحلية إلى اللغة العربية الفصحى بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
Alsharq News الشرق نيوز