السبت , يونيو 13 2026
الرئيسية / تحقيق صحفي / داخل مكتب الرئيس 6
Screenshot

داخل مكتب الرئيس 6

داخل مكتب الرئيس 6

سامر حبيب

​يوم تولّي الرئاسة:

12 آذار 1971​نحن في دمشق، يوم الجمعة 12 آذار (مارس) 1971. أدى حافظ الأسد اليمين الدستورية بعد صدور نتائج الاستفتاء الشعبي في اليوم نفسه، ودخل مكتبه رئيساً للجمهورية العربية السورية.​وكان يشغل قبلها منصب رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، وقائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة بصفته قائداً لـ “الحركة التصحيحية ” منذ قيامه بها قبل ستة أشهر. واليوم، انتهت الفترة الانتقالية التي كانت برئاسة أحمد الخطيب، وتسلم منصبه بشكل دستوري ورسمي.​

شريط الذكريات ورفاق الدرب​

وأنا أتخيل نفسي مكانه في تلك اللحظات.. أجلس على كرسي الرئاسة وأتأمل في زوايا المكتب، مستذكراً كل الأحداث والشخصيات التي مرت عبر عشرين سنة، منذ أن دخلنا الكلية الحربية في حمص عام 1950، ثم مدرسة الطيران في حلب، وصولاً إلى العودة للتخرج من الكلية الحربية وأنا في الصفوف الأمامية للاستعراض، لنيلي جائزة أفضل طالب طيار.​إنها مسيرة طويلة ممتدة من الوحدة إلى الانفصال، ومن ثم إلى ثورة آذار، فالإطاحة بأمين الحافظ، وصولاً إلى الحركة التصحيحية.

​أين كل هؤلاء الرجال الذين عرفتهم؟

​صلاح جديد: في السجن. ​نور الدين الأتاسي: في السجن.​ يوسف زعين: في السجن.​ محمد رباح الطويل: في السجن.​ أمين الحافظ وميشيل عفلق: في العراق.​ صلاح البيطار: في بيروت. ​سليم حاطوم: تحت التراب.​ أيعقل أن هذه الدنيا لا تترك لك صاحباً؟ صحيح أن الحياة دون أصدقاء صعبة، ولكن الحياة وأنت تخشى أن يدبر أحدهم انقلاباً ضدك هي أصعب بكثير. لم يتبقَ بجانبي سوى “أبو فراس” (مصطفى طلاس)، وأبو فراس لا يخون.​

ظاهرة الانقلابات المتكررة في الجيش السوري​ فلنخرج الآن من هذه الحالة الدرامية، ونترك حافظ الأسد منتشياً بنفسه وجالساً في مكتبه، لنطرح سؤالاً ضرورياً: لماذا كان الجيش السوري يشبه رحم امرأة ولود، تنجب لنا انقلاباً كل بضعة سنوات؟

​في عام 1949 وحده، أنجب هذا الرحم ثلاثة مواليد (انقلابات)، وبلغ مجموع مواليدها خلال عشرين عاماً سبعة؛ هؤلاء هم من كُتب لهم العيش والاستمرار. وإذا احتسبنا حالات الإجهاض (المحاولات الفاشلة) فإنها تصل إلى عشرة، مثل انقلاب جاسم علوان وغيره. وهذا الأمر لم يحدث في دول أخرى مثل العراق ومصر، إذ اكتفى الجميع بمولود أو اثنين وانتهى الأمر.

​الجذور التاريخية والتركيبة الاجتماعية لـ “جيش الشرق”

​إن الجيش السوري في الأساس لم ينشأ كجيش مستقل لدولة مستقلة، وإنما كان بقية “جيش الشرق” الذي أسسته فرنسا إبان انتدابها لسوريا ولبنان.​وكانت فرنسا حريصة على تلغيم الجيش من الداخل قبل مغادرتها، فسارعت إلى إدخال أبناء الأرياف، وأبناء الأقليات الدينية، وطبقة الفقراء إلى صفوف الجيش، في حين ابتعد أهل المدن عنه. نتيجة لذلك، انقسم المجتمع إلى طبقتين:​

أهل المدن: تحولوا إلى تجار وسياسيين، لكنهم ظلوا عُزلاً بلا سلاح.​أبناء الأرياف والفقراء: أصبحوا ضباطاً ومجندين، فامتلكوا السلاح.​وهذه في حد ذاتها وصفة جاهزة للانقلابات؛ لأن ابن الريف الفقير والمهمش سيبقى راغباً في حوزة ما في يد ابن المدينة من مناصب. وعندما غادرت فرنسا، لم تترك مؤسسات حقيقية وراءها، ولم تكن هناك سوى مؤسسة واحدة قوية وهي الجيش.​

من صناديق الاقتراع إلى الثكنات العسكرية​بعد خروج فرنسا بفترة قصيرة، حدثت نكبة فلسطين، واعتبر الجيش أن القيادة المدنية لا تصلح لمواجهة خطر دولة اليهود، وأن الدولة فاسدة وضعيفة، ورأى أن الجيش يجب أن ينقذ الدولة؛ وكانت تلك هي علة الانقلاب الأول في آذار عام 1949 الذي قاده الزعيم (حسني الزعيم).​

ومن هنا، بدأت ثقافة جديدة تدخل إلى عقيدة الدولة تقول: “ليس الرابح من يفوز بالانتخابات، وإنما الرابح من يسيطر على الثكنات”.​والسبب الآخر يعود إلى انتساب الضباط للأحزاب السياسية، مثل: حزب البعث، والحزب الشيوعي، والحزب السوري القومي الاجتماعي. فتحول الجيش إلى مركز صراع سياسي بين الأحزاب، وأصبح الجيش وسيلة الحزب للوصول إلى السلطة.​

معادلة الأسد:

قتل فكرة الانقلاب ​كل هذه الأسباب تسببت في حدوث زحمة من الانقلابات، ولكن عندما وصل الأمر إلى حافظ الأسد، سأل نفسه سؤالاً: كيف يمكنني التخلص من الانقلابات؟فأجاب وقال: إن الانقلاب فكرة، ولمنع حدوث الانقلاب يجب قتل الفكرة نفسها.​وهذا ما حصل تماماً؛ فحافظ الأسد لم يكن مجرد حاكم عادي، بل أعاد صياغة فكرة الحكم من جديد. وكان الوحيد الذي فهم الدرس جيداً عندما قال: إن الحزب كان بيد عفلق وأمين الحافظ ولكنه لم يحمهما، والجيش كان بيد صلاح جديد ولكنه لم يحمه، واليوم أصبح الجيش والحزب بيدي أنا، ولكنهما لم يحميا غيري فكيف يحمياني؟ إذاً، أنا بحاجة إلى شيء آخر لحمايتي.​ما هو هذا الشيء الآخر؟ نتابع في المقال القادم.​

يتبع

ملاحظات هامة:​إخلاء مسؤولية: إن كل ما ورد في هذا المقال من أفكار، ومعلومات، وآراء تاريخية وسياسية يقع على المسؤولية الكاملة لكاتب النص الأصلي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع ولا يتم تبنيه من قبله بأي شكل من الأشكال.

​تنويه تقني: تم الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة وتحويل النص الأصلي من اللهجة العامية إلى اللغة العربية الفصحى، مع الالتزام التام والمطلق بالحفاظ على الجمل والمسار الفكري للأفكار الواردة فيه دون أي تعديل أو تغيير في مضمونها.

شاهد أيضاً

داخل مكتب الرئيس 2

داخل مكتب الرئيس 2 سامر حبيب ​ذكرتُ في المقال الأول أن هذا النوع من المقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *